تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض من رجال القرن السادس.

وقد كف بصر الشيخ أبي الحسن بعيد وصوله إلى مصر بقليل، ونستطيع أن نقول أنه أصيب في سنة 646 على وجه التحديد، أي بعد وصوله إلى مصر بأربع سنوات، فقد روى صاحب كتاب المفاخر العلية أنه لما كف بصر الشيخ دخل عليه تلميذه أبو العباس المرسي فقال له الشيخ:

«يا أبا العباس: انعكس بصري في بصيرتي، قصرت كلي ميصرا، بالله الذي لا إله إلا هو، ما أترك في زماني أفضل من أصحابي، وأنت والله أفضلهم».

ثم سأله:

«كم سنك يا أبا العباس؟

قال:

«يوشك أن يكون الثلاثين»

قال الشيخ:

«بقيت عليك عشرة أعوام وترث الصديقية (القطبانية) من بعدي»

فإذا عرفنا أن أبا العباس ولد سنة 616، فإننا نستطيع أن نؤرخ لهذا الحديث بسنة 646 هـ فقد قال أبو العباس أن سنه وقتذاك كانت 30 سنة، ونحن نعرف أيضا أن الشيخ أبا الحسن توفي سنة 656 وقد ورث القطبانية بعده أبو العباس وقد بشره الشيخ أبو الحسن في هذا الحديث أنه يرثها بعد عشر سنوات. فإذا طرحنا عشر من سنة 656 وصلنا إلى 646.

والراجح أن الشيخ أصابه مرض مما يصيب العيون أفقده بصره، ويقول الأستاذ السندوبي أنه أصيب أثناء أيامه بالماء فغشى على بصره، ولكن القوم يعللون هذه الإصابة تعليلا آخر. روى ابن الصباغ عن الشيخ جمال الدين القرافي أحد أصحاب الشيخ أن الشيخ أبا الحسن قال له مرة في شرح السبب الذي من أجله فقد بصره: لقيت بعض الأولياء في إحدى سياحاتي، فعرضت عليه كلاما في التوحيد، فصاح الرجل وصلت، فقيل لي:

يا علي لم فعلت ذلك؟ لتعاقبن بذهاب بصرك».

وفي سنة 647 ألمت بمصر ملمة كبرى، فقد وصلت إليها حملة من الحملات الصليبية الكبرى هي حملة الملك لويس التاسع، واستطاعت هذه الحملة أن تستولي على دمياط، واتجه الملك الصالح نجم الدين أيوب جنوبا إلى مدينة المنصورة وعسكر بجيوشه شمالها، غير أنه لم يلبث أن اشتد به المرض ومات، فأخفت زوجه شجر الدر موته، وأرسلت فاستدعت ابنه تورانشاه من حصن كيفا.

وكان المصريون جميعا في ذلك الوقت في هم عظيم يترقبون نتائج الحرب بنفوس ملأها الهلع والخوف، وكانت الأنظار كلها تتجه إلى مدينة المنصورة مقر الدفاع.

ووجد علماء البلد أن من واجبهم أن لا يتخلفوا عن موضع الخطر، فسارعوا جميعا إلى مدينة المنصورة يثبتون من جاش الشعب، ويبعثون الحمية في نفوس الجند المخاربين، ويثيرون فيهم روح الجهاد للذود عن الوطن وحيته، وكان في مقدمة هؤلاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي.

وتقول الرواية أن الشيخ كان يجتمع أثناء مقامه في المنصورة بغيره من علماء البلد في خيمة يتدارسون ويتناقشون في أمور الدين وعلومه، وكانت الصدارة في هذه المجالس للشيخ أبي الحسن.

روى ابن عطاء الله السكندري في كتابه لطائف المنن عن الشيخ مكين الدين الأسمر أنه قال:

«حضرت بالمنصورة في خيمة فيها مفتي الأنام عز الدين بن عبد السلام، والشيخ مجد الدين علي بن وهب القشيري المدرس، والشيخ محيي الدين بن سراقة، والشيخ مجد الدين الأخميمي والشيخ أبو الحسن الشاذلي، ورسالة القشيري تقرأ عليهم، وهم يتكلمون، والشيخ أبو الحسن صامت، إلى أن فرغ كلامهم، فقالوا: يا سيدي تريد أن نسمع منك مقالا فقال -تواضعا:- أنتم سادات الوقت وكبراؤه وقد تكلمتم، فقالوا: لابد أن نسمع منك، قال: فسكت الشيخ ساعة، ثم تكلم بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة، فقام الشيخ عز الدين وخرج من صدر الخيمة وفارق موضعه وقال: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله».

وكان الشيخ يقضي وقته كله في المنصورة -مستيقظا ونائما- ولا تشغل باله وفكرة إلا هذه الملمة التي توشك أن تنزل بمصر والإسلام، إلا هذه الحرب الطاحنة الدائرة رحاها بين عدو وافد من الخارج وجيش مجاهد باسل يدافع عن الوطن والإسلام، فكان الشيخ إذا نام تكاثرت عليه الأحلام يرى فيها ما يشغله في اليقظة، ويلتمس في عالم الروح مخرجا من هذا الأزمة، إلى أن وافته البشرى أخيرا، وأتاه الرسول عليه السلام يبشره بالنصر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٩٩