نظام الإقطاع، وكانت توبة الحاكم رجعي كيكي تهييئا لحضارة اليابان. يقول كيكي في اعترافه الرائع: «ان نعظم أعمال الإدارة الحكومية معيبة، واني لاعترف خجلا بان الأمور في وضعها الراهن يرجع نقصها إلى ما اتصف به انا من نقص وعجز وها هو ذا اتصالنا بالأجانب يزداد يوما بعد يوم فما لم تتناول إدارة البلاد سلطة مركزية موحدة، انهار بناء الدولة انهيارا من أساسه»
وهكذا بدا العهد الميجي سنة 1868 واسترد الشعب الديانة الشنتوية القديمة وقام قادة البلاد بدعاية قوية في الشعب حتى اقنعوه بان الإمبراطور العائد إلى عرشه الاهي النسب والحكمة، ولذلك يجب طاعته، وطاعة القوانين التي يصدرها. يقول ديورانت هنا: «فلما ان توفرت هذه القوة الجديدة لأنصار التغريب نمت على أيديهم معجزة في تحول البلاد تحولا سريعا» وقد قام الزعيمان العظيمان اتو وافويي بزيارة لاوربا درسا خلالها انظمتها وصناعتها.
فاذن الاعتماد على العقيدة شرط أساسي للحضارة واذا كان اليابانيون أعادوا للشعب ثقته في الإمبراطور على أساس انه الاهي النسب فاننا ينبغي ان نعيد لأنفسنا ثقفتنا بالله على انه رب العاليمين. وبدون هذه العقيدة فاننا سنظل نعبث، لان العقيدة سر الانطلاقة الكبرى. ولقد راينا الرئيس ايزنهاور يرى ان خطر فراغ النفوس من العقيدة والاخلاق افتك بالأمة من القنابل الذرية.
فقول الكاتب بأنني ادعو إلى غلق الأبواب، نتيجة «غريبة» واستنتاج» عجيب لم اقل لا بمقدماتها ولا بشيء يفضي اليها، وانما الذي اؤكده دائما هو انه يجب ان نتنبه من التأثيرات الاستعمارية، وان يكون فهمنا للأمور مستقلا عن هذه التأثيرات مهما كان نوعها، وان تكون لنا شخصية متميزة، فالاستعمار زيف لنا تاريخنا وعقائدنا وحاول ان يقطع حاضرنا عن ماضينا وان يخلق من امة واحدة امما مختلفة، وان يعرقل سيرنا وشجعنا على ما يسمى بالثقافة الرخيصة كما شجعنا على تقاليد بالية وساعدنا على الجمود ووقف دائما في وجه تطورنا، ولم يقصر في الفتك بنا في ميدان الفكر، ولهذا اعتبر كلامكم من الاستنتاج الاول إلى آخر المقال بين قوسين، لا بحق الاجابة عنه لانه ليس في الحقيقة مساير لمنطق مقالتي وانما هو مساير من الكاتب لنفسه ولكن رغم ذلك احب ان أنبه الاخ إلى أنني لو كنت ادعو إلى غلق بابنا لما كنت منطقيا مع نفسي لانني اتنابع دراستي العليا في جامعة اروبية وبلغة اوربية.
وكان بالإمكان لو سرت على ذلك النحو من الافتراضات والأجوبة عنها أن أملأ مجلدات ولكن المهم هو ان ذلك كله لا علاقة له بالفكرة الموضوعية للمناقشة.
وان الكاتب يقول: «اننا لم نقم بعد بالثورة الفكرية وإنما فرضت علينا من غير اختيار وحسب مناهج وطرق اجنبييتين» وفي كلا الحالتين شر ولهذا ينبغي ان نتدارك الامر بثورة ثقافية اصيلة، أي نقوم ببناء حضارتنا على اساس من عقيدتنا. وما اروع الكلمة التي صدرت بها مقالتي التي فاه بها اقبال رحمه الله «اخرج النغمة التي في قرار فطرتك يا غافلا عن نفسك، أخلها من نغمات غيرك».
فالحضارة كما يقول مالك بن بني ليست سلعة تباع وتشتري كما ان الاستعمار ليس في نيته ان يحضرنا بل عنده لفظنا استعمر وحضر بمثابة مترادفتين وليست الحضارة في نية المستعمر ولو صحت هذه النية بل هي نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشعب الذي يريد التحضير، فهو الذي يذهب إلى الحضارة، إلى مصادرها البعيدة، وقبل كل شيء إلى مصدرها الأقرب من أصالته.
فمن ثمن الأخطاء في رأيي ان نعتقد ان الحضارة هي ما انعمت به علينا المدرسة الاستعمارية في فترة غياب مدرستنا الوطنية. واذا كان يعاب على أجدادنا في عصور الانحطاط سوء نيتهم في الحضارة الغربية وغرورهم بما لديهم وجمودهم على تقاليدهم، فانه يعاب على بعض أبنائهم اليوم حسن نيتهم المطلق في الحضارة الغربية وغرورهم بها وجمودهم في فهمها لان الجمود هو الجمود، رغم اختلاف المظاهر والأزمان. فاذا كان هذا الجيل يؤدي ثمن أخطاء الماضي فانه في نفس الوقت يرتكب أخطاء يساهم بدوره في تأدية ثمنها كما يترك رصيدا ضخما من المتاعب لتؤدي الأجيال المقبلة ثمن ذلك، فلكي لا نعيد التجربة السابقة ينبغي ان نكون أكثر تحررا وأكثر استقلالا في الفكر.