تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طريقنا موجهة الأحداث التي تطغى علينا. وهنا نصل إلى النقطة التي تراءت للكاتب ان يجعلها محل استشهاده فيما أظن، وهي نقطة العلاج، ولست ادري أيتفق معي في هذه النقطة حسب ما بينته في المقالة السابقة وما سأؤكده فقط هنا ام لا؟ على أي فالعلاج في نظري يقتضي تكوين قيادة فكرية منبثقة من صميم الأمة مكونة تكوينا قوميا متينا حسب مناهجنا واختيارنا وطرقنا لأننا ان تركنا القيادة في يد من كان ذا ثقافة وتكوين أجنبيين قليل المعرفة بثقافته القومية فإننا نكون قد حاولنا إسباغ صفة الأطباء على نوع من المرضى المراد علاجهم، وهذا النوع من القيادة، هو الذي وصفته بأنه لا يشعر بكرامة أمته وليس عنده ما يحمله على الحنين لأمجاد ماضيه، لان الثقافة والتكوين الأجنبيين وقلة المعرفة بالثقافة القومية من اهم الخصائص للقيادة المزيفة، لان الثقافة كما قال الكاتب نفسه قوة معنوية بها تعيش الشعوب وتعتز، واليها ترجع لتستنير وسط الخطوب المدلهمة، وما أظن -ولعل الكاتب معي هنا- ان الأجنبي الحاكم يريد خلق هذا النوع من الثقافة في الأمة المغلوب على أمرها. ولهذا قلت يجب على القيادة الحقيقية المنفذة ان تتعمق في فهم النفسية للأمة فهما مستقلا عن كل تأثير أجنبي او توجيه استعماري، وبذلك (فقط) تستطيع القيادة ان تقف على حقيقة آمال هذه الأمة وأهدافها ومكامن القوة والضعف فيها وطبيعة تكوينها ومزاجها وعلاقاتها التاريخية والعقائدية والفكرية ...

فدعوتي اذن تتخلص في وجوب تكوين القيادة الفكرية السليمة المنبثقة من الأمة لتواجه المشاكل بإرادة غير مزيفة وفكرة غير دخيلة. فهل في هذا ما يثير الكاتب ويجعله يسارع إلى الاستشهاد بمقالتي على تلك الأفكار التي ساقها هناك؟

على كل حال، سأبسط فكرتي بعض البسط، لعل الأخ الكاتب يقع على حقيقة الخلاف ان كان هناك خلاف او على عكسه. أن القيادة التي ندعو اليها هي التي قال عنها الكاتب «يجب ان تهتدي إلى التفكير القويم وتقدير الواقع بحصانة وبعد نظر لأنها، لو فعلت ذلك لفهمت ان إنقاذ المغرب هو في الاستفادة من حضارة ارويا وعلمها وتجاربها لا في الجمود والتعصب ... » او الاستهتار والتلاعب بالقيم، ولكن، كيف ينبغي ان نستفيد من اروبا؟ وما هي وجوه الاستفادة؟ وماذا ينبغي ان نأخذ؟ وماذا ينبغي ان ندع؟ تلك قضايا مهمة وخطيرة ينبغي على القيادة ان تحدد موقفها منها بكل موضوعية. فالحضارة الأوروبية فيها جانبها الخير، وجانبها الشرير، وأخوف ما يخاف على امة ضعيفة يحاول قادتها النهوض بها، ان تضل الطريق فتاتيها الرزايا من وجوه الفوائد، ولذلك، كان لابد من خلف تلك الثقافة التي سبق تعريفها حسب رأيكم لتخلق فينا الحاسة المميزة بين ما ينفعنا وما يضرنا. ومن المعلوم ان «لكل حضارة أفكارها القاتلة» (*) لكي تقتلها هي نفسها كما تقتل غيرها وان الأمة المصابة بالوهن لا تملك القدرة على الامتصاص الحيوي من اية حضارة وانما تفرض عليها نزعتها إلى السهولة إلى الامتصاص الجانب القاتل كما نلاحظ على كثير ممن يحاولون تحضير أنفسهم «بالمقلوب» بالإقبال على «أشياء» الحضارة الغربية في بلاده ونشاط دون التنبه إلى ان الحضارة تنبع قبل كل شيء من النفس تعبيرا عن عقيدة متغلغلة حية، لهذا، ينبغي الا نفتح ابوابنا-ان كانت لنا ابواب- على مصراعيها للغث بغزو بلادنا وان يجب ان نكون حذرين يقظين محاولين بوعي قيادتنا-التي ينبغي ان تكون منا والينا- ان نفرق بين ما يضر امتنا وما ينفعها. فالنقل عن الغير يجب ان يخضع لشروط صارمة عملية مثل نقل الدم من جسم لآخر بل واشد صرامة، لان الخطأ في نقل الدم قد يقتل فردا واحدا، اما الخطا في النواحي الاجتماعية والحضارية فانه يقتل امة بأكملها. لهذا يجب ان نبني فكرتنا الخاصة بنا والتي هي إنسانية في صميمها، عاملين على إعادتها للنفوس وإشاعتها في المجتمع ومساعدتها بتهييء الجو والتربية الصالحين، حتى لا تمتص الا ما يساعدها على النمو والازدهار؛ فاليابان مثلا لم تقف امام الحضارة الغربية موقف الجمود ولكن في نفس الوقت لم تقف موقف الميوعة والتفسخ. ولم تكن تلميذة بليدة لاوربا، بل كانت واعية مفكرة ناقدة، عالمة، مدركة لما تأخذ، مدركة لما تدع. فلم تذهب إلى اوربا واسقة منها الكماليات والعادات المخربة والانحرافات، بل كانت أوعى من ذلك. يقول ويل ديورانت: «لقد درس اليابانيون مدنيتنا دراسة فاحصة لكي يتشربوا معاييرها، ثم يفوقوها.»

وقبل ان يفكر اليابانيون في الأخذ من اوربا فكروا جديا في العقيدة التي ستجمع الشعب في وحدة متراصة، وكان اول عمل قامت به اليابان هو انها قضت على

(*) في مهب المعركة لمالك بن نبي ص 172 - 185.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٧٦