دعوة الحق، س6، ع 8 - 9/ ماي-يونيه 1963 .................... ص83
مناقشات: من ثمن الأخطاء «تعقيب»
للأستاذ: عبد السلام الهراس
«اخرج النعمة التي في قرار فطرتك يا غافلا عن نفسك أخلها من نغمات غيرك» إقبال
اطلعت على مقال الأخ الأستاذ محمد زنيبر تحت عنوان «ثمن الأخطاء» المنشور في العدد السادس من مجلة «دعوة الحق» ولاهتمامي بهذا النوع من المقالات اخدت في قراءته غير إني فوجئت باستشهاد الكاتب على بعض أفكاره بمقالتي «قبل فوات الأوان»، واسترسلت في القراءة ظنا إنني ساجد بيني وبين الكتاب اختلافا في الرأي وعلاقة بين أفكاره ومقالتي مما يبرر له هذا الاستشهاد، غير إني عند ما انتهيت من تحليله لمقالتي واستنتاجاته منها وافترضاته، ثم أجوبته عن تلك الافتراضات إلى آخر المقال، وجدت أن ذلك الاستشهاد في غير محله، وغير ذي موضوع وإنما أقحم إقحاما، لكن، ـ رغم ذلك، فقد رأيت انه لابد من الإدلاء برأيي حتى لا يفسر السكوت بالرضي.
لقد صرح الكاتب بان أجدادنا وجدوا أنفسهم مجردين من السلاح الفكري، وان الانهيار بلغ إلى حد لا يتصور، وان عواقب التخلف ظهر أثرها بصورة أفظع في ميدان الفكر، وأمام الفراغ العقلي الذي كان يعانيه المغرب منذ أزمان بعيدة استطاعت الثقافة الأجنبية الدخيلة أن تجد لنفسها مكانا واسعا رحبا، وسرعان ما اجتذبت إليها المثقفين والشباب»، ويمضي قائلا: «فإذا نتج بعد ذلك ان هذا الجيل أصبح ذا ثقافة وتكوين أجنبيين قليل المعرفة بثقافته القومية، فالمسؤولية تعود على الأجيال السابقة التي لم تعتن بهذا الأمر ولم تبذل أي مجهود في خلق المدرسة الوطنية المسايرة لمقتضات العصر» ويرى ان الاستعمار «عمل فيما بعد على خنق ثقافتنا القومية ونشر ثقافته المجلوبة ولكن هذا تصرف طبيعي ومنتظر من كل دولة أجنبية حاكمة وليس من الحكمة أن ننتظر من الأجانب المحافظة على ثقافتنا القومية»، ثم يقول: «فالثورة الفكرية التي رفضنا ان نقوم بها نحن في الوقت المناسب أصبحت مفروضة علينا فيما بعد ولكن من الخارج وحسب مناهج وطرق لم يكن لنا فيها اختيار. وهذا سبب كثير من المشاكل التي نعانيها اليوم في تطورنا الثقافي».
ومعنى كلام الكاتب ان الاستعمار وجد فراغا فكريا في المغرب فاحتله، ونتيجة ذلك، أصبح جلينا هذا محتل الفكر، وذا تكوين وثقافة أجنبيين، وان مدرستنا الوطنية كانت معدومة في التوجيه او على الأقل ضئيلة التأثير، وان الثورة الفكرية فرضت علينا فرضا ولكن حسب مناهج وطرق أجنبيين. وليس من المعقول ان يحافظ الأجانب على ثقافتنا القومية وليس من الحكمة ان ننتظر منهم ذلك وأننا نتيجة لهذه الأوضاع الجديدة نعاني مشاكل خطيرة في تطورنا الثقافي.
وهذه الأفكار التي ساقها الكاتب هي نفسها التي سقتها سواء في مقالتي السابقة او في مقالتي أخرى التي نشرت في دعوة الحق والتي تعتبر مرتبطة بها اشد الارتباط. فانا أرى أننا نعيش في فراغ فكري، وان الاستعمار استغل هذا الفراغ ليملاه حسب مناهج وطرق لا اختيار لنا فيها وان مدرستنا الوطنية لم تقم بواجبها لأنها لم توجد كما ينبغي.
ولعل الكاتب يتفق معي ان تلك المناهج الاستعمارية لا يقصد بها-أساسا- خير البلاد بقطع النظر عن مكاسبنا منها ونوع تلك المكاسب. ولعل الكاتب متفق معي أيضا في انه لابد من علاج لتلك المشاكل التي نتخبط بها والتغلب على العقبات الموضوعة في