كان الرجل الطويل النحيف يرتعش من شدة النرفزة والغضب، ودار المقدم ليجد نفسه وجها لوجه أمامه، فصاح فيه بصوته الحاد الخافت:
- ماذا تفعل الآن؟
- لاأدري ..
- الرجل أشرف على الموت أو الجنون الآن
فرد المقدم حائرا: ذلك من سوء حظه ..
فاقترح الرجل: ألا ينبغي أن تنادي العرائش وتطلب إذن العامل للحفر على الميت ...
ورفع المقدم رأسه ينظر إلى الرجل: هذه فكرة حسنة .. لماذا لم تقلها من قبل؟ تعالوا إلى البريد .. وتحركت الكتلة نرة أخرى نحو البريد خارج الأسوار في المدينة الجديدة، وكلما إلتقوا بأحد إنضم إليهم ليسمع الخبر العجيب.
وطرقوا باب المكلف بالإدارة فخرج إليهم من سريره، وسمع الخبر بدون أن يعلق عليه أو يهتم به، ولكنه فتح باب الإدارة، ورفع سماعة التلفون يطلب العرائش.
وبعد دقائق كانت أعصاب الرجل النحيف فيها تحترق وهو ينظر إلى جهاز التلفون الأسود وينتظر أن يرن. سمعت دقات الجرس. ورفع المشرف السماعة إلى أذنه ثم دفع بها إلى المقدم.
وأمسكها هذا بكلتا يديه وبدأ يصيح فيها:
-من؟ آ .... سعادة العامل- مساء الخير يا سيدي- متأسفين لإزعاجكم في هذه الساعة المتأخرة- لا، لا- أنا المقدم- الباشا ما يزال في طنجة- الموضوع اسيدي هو أننا نريد إذنكم في الحفر على ميت- لا، لا- إنه ما يزال حيا- هنا رجل سمع إستغاثثه من القبر- دفن هذا المساء- بارك الله فيك - الله يهنيك.
ووضع السماعة والتفت إلى الجماعة: لنذهب الآن للحفر عليه .. لقد أعطانا العامل الإذن ....
وفيما هم يتحركون نحو الخارج، إذ سمعت ضجة بالباب وسيارة تقف، وصاح أحد الواصلين الجدد:
- الباشا جاء من طنجة ...
وفي نفس اللحظة دخل رجل في حوالي الخمسين بملابس عسكرية أنيقة، ضخم الجثة أحمر الوجه تقدم نحوه الجماعة وراء المقدم .. وتكلم هذا:
- جئناك ياسيدي لنأخذ إذنك في الحفر على رجل دفن حيا فلم نجدك، وقد كلمنا العرائش الآن فأعطانا العامل الإذن ...
- ووقف الباشا يحك قفاه وينظر إلى الجماعة، إبهامه في حزامه وسأل:
- هل أذن لكم في الحفر؟
- نعم ياسيدي ...
- إذن ماذا ننتظر؟ تعالو ...
- وتحرك الجماعة خارجين فركب الباشا سيارته وأشار إلى المقدم أن يركب، وركب شعيب وأشار إلى الرجل الطويل فصعد إلى جانبه، ونظر إليه الباشا وسأل المقدم:
- وهذا لماذا؟ ...
- هو الذي سمع الإستغاثة يا سيدي ..
ونظر الباشا إلى وجهه، فأحس بعمق الرعب في عينيه وتقاطيعه .. ومد يده إلى مفتاح السيارة فأدراه وتحرك نازلا نجو بيت الجنايني الملحق ببيته الكبير، فنزل أحد أعوانه وأخرج فأسا وضعه في حقيبة السيارة وعاد فركب وقصف الباب فتحركت السيارة نحو المقبرة.
وعلى بابها فتح الباشا حقيبته الصغيرة فأخرج منها قتارا كهربائيا، وتحرك الجميع نحو القبر الجديد، يقودهم الرجل الطويل النحيف بخطوات واسعة.
وحين وقفوا عليه إنحنى الباشا فأصاخ بسمعه على القبر، ثم أشار إلى الرجل أن يحفر .. وبعد عدة دقائق كان الفأس يضرب على الرخام المستطيل، فنزل الرجل وبدأ يرفع الألواح واحدة واحدة حتى كشف عن الجثة المكسوة بالبياض، ونزل شعيب والمقدم فرفعاها من مرقدها، ووضعاها على حافة القبر.
واقترب الباشا بفنارة فنحنى على الجثة ووضع أذنه على صدرها ليستمع إلى دقات القلب، ثم وقف وقال دون أن ينظر لمن حوله.
- هذا الرجل ميت، ولكنه كان حيا قبل بضع دقائق جدسه مايزال دافئا ...
ثم أمر شعيب والمقدم أن يكشفا عن وجهه الغطاء فتقدم الرجلان، وأزاحا الغطاء فكاد الدم يقف في عروقهما ....
كان الرجل مايزال حيا .. كان ينظر إليهما من وراء حافة الكفن بعينين غائرتين فيهما يأس، وبقية حسرة وغضب ... كان هو نفسه ذلك الرجل الطويل النحيل الذي طرق الباب في أول الليل على شعيب ليخبره بالإستغاثة.
وأغمض عينيه إغماضتهما الأخيرة، وراح في سباته الأبدي.
واشنطون- أحمد عبد السلام البقالي