تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومشيا بين الزروب حتى خرجا إلى طريق السيارات الذي يخترق المدينة وسط السوق، ونزلا في الشارع الرئيسي المظلم، الحوانيت كلها مقفلة، ولم تبق إلى أنوار قناديل بائعي الفحم الذين يسكنون في دكاكينهم وبعض القهاوي الخاصة بلاعبي (الكرطون) -البنجو- مقفلة يلوح النور من شقوق أبوابها ..

ووصلا إلى مقهى (ابن روحو) فدخل شعيب، ووقف الرجل بجلبابه الأبيض الطويل على الباب ينظر إلى الداخل في حسرة ...

ووقف شعيب على راس المقدم الذي كان يتصدر جماعة وهم يشربون الشاي ويتحدثون:

- شعيب ماذا جاء بك في هذا الوقت؟

فرد شعيب: معي رجل يقول أنه سمع صوت رجل يستغيث في قبره ..

فعلق المقدم ضاحكا: لعل نكيرا ومنكرا يستجوبانه ..

وضحك الجماعة، فدخل الرجل الطويل إلى حيث يجلس المقدم، فنظر في عينيه بعنف، وقال بصوت خافت:

- اسمع يا هذا .. حياة إنسان في يدك، وأنت تلقي النكات .. إننا لم نرد الحفر عليه حتى نخبر السلطات إذا وجدناه ميتا فهو في ذمتك ..

واختفت الابتسامة من وجه المقدم، فنهض وأمسك بعصاه، وهو يقول:

- أنا لا أريد أن تبقى روح أحد على رقبتي .. ولكن هناك من هو فوقي ..

فسأل الرجل: من يجب أن نخبر أيضا؟

- الباشا. أجاب المقدم.

فقال شعيب: تعالى نذهب إلى بيته .. وشد الرجل قبضتيه بعنف شديد، وهو يمشي في أعقاب شعيب، وأطراف جلبابه تلامس الأرض، وفي عينيه غيظ شديد ..

ومشى خلف الثلاثة جميع من كان بالمقهى، كل منهم يعطي رأيه في الموضوع دون أن يسمع رأي صاحبه. كان المقدم يلبس جلبابا صوفيا ثقيلا في لون الأرض، وعلى رأسه عمامة صوف سوداء مزخرفة خيوطها بخواتيم الحرير، وقد حلق لحيته وترك شاربا أحمر كثيفا يتمشى جيدا مع عينيه الزرقاوين.

وعلى باب دار الباشا تنحنح المقدم وضغط على الجرس فرن بداخل البهو الكبير، وبعد لحظة خرج رجل بملابس النوم يسعل، فأشعل نور الباب الخارجي، ثم فتح الباب وهو نصف نائم، فبادره المقدم:

- نريد أن نتكلم مع الباشا ..

- إنه ليس هنا ..

- وأين هو؟

- في طنجة ..

- فاختلط الأمر على الجماعة فتقدم الرجل الطويل إلى الخادم وسأله:

- هل ترك رقم تلفونه بطنجة؟

- لا .. أجاب الخادم، إنه لا يمكث هناك بمكان معين .. والتفت الرجل إلى المقدم: وماذا سنفعل الآن؟

فحك المقدم رأسه، وهز كتفيه في حيرة، فواجهه الرجل الطويل، وهمس بصوت خافت فيه كثير من عدم الاحتمال:

- اسمع .. الباشا غير موجود .. وهذا معناه أن المسؤولية بيدك الآن ..

وهنا تكلم شعيب وهو ينظر إلى وجه الرجل الطويل المتوتر والضوء ينصب على تقاطيعه: أعتقد أنه من الواجب أن نذهب إلى القاضي .. هو الذي ينبغي أن يبث في هذه الأمور ..

وصادفت هذا الرأي قبول الجميع .. فتوجهوا نحو المدينة داخل السور الأحمر.

وعلى باب بيت القاضي وقفت الجماعة تنتظر، فأضيء مصباح معلق على الباب وأطلت خادمة من نافذة مشرفة على الشارع تنظر إلى الوجوه بعينين مقفلتين، وسأل المقدم رافعا عكازته نحوها:

- هل الفقيه هنا؟

- لماذا؟ أجابت الخادمة: ماذا تريدون منه في نصف الليل؟

- إذا كان موجودا، فقل له يخرج عندنا .. نريد أن نسأله في أمر مهم ..

وأدخلت الخادمة رأسها فاختفت ثم عادت إلى الظهور مرة أخرى:

يقول لكم سيدي عودوا في الصباح .. إنه مريض الآن، ولا يستطيع الخروج من فراشه .. ثم اقفلت باب النافذة واطفأت النور قبل أن تسمع أي تعليق وعاد البيت إلى صمته الأول ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٧٣