تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتفت مرة أخرى نحو المقبرة ليجد الجمع قد تقرق، وذهب الناس في اتجاهات مختلفة، ثم نقل عينيه إلى طريق السيارات خلف المقبرة لينظر إلى زجاج العربات الأنيقة وهي تتدافع بسرعة نحو الشمال إلى طنجة، كان زجاجها يلمع في عينيه كلما انحرفت عن التل جانب ملعب الكرة ..

وفي تلك اللحظة عاد ابنه محمد من المدرسة فقبل يده ودخلا معا إلى الكوخ الذي كان مضاء الآن بمصباح غاز أصفر .. وبعد العشاء جلس شعيب مع عائلته يشرب الشاي ويستمع إلى حديث ابنه محمد عن المدرسة والأساتذة. ثم الجدال بينه وبين أخته فاطمة حول كروية الأرض ودورانها، كانت هي ترفض تصديق ما يقوله جملة وتفصيلا: «كيف يمكن أن تدور الأرض ولا تسقط من فوقها؟ لماذا لا يهرق البحر في الفضاء؟ والبقرة لماذا لا تطير؟»

كان شعيب ينظر إليهما يتجادلان ويبتسم في تعب سعيدا بوجوده .. وفي تلك الليلة بينما هو في عمق النوم، اذ سمع طرقا على الباب .. استيقظ بصعوبة كبيرة دون أن يدرك أين هو .. كانت زوجته تحركه بعنف من كتفه، وتهمس في أذنه: شعيب اسمع، أحد يطرق الباب في هذه الساعة، قم، افتح .. وقعد شعيب بدون إحساس مدة قبل أن يدرك معنى كلام زوجته، وحين خرج من الفراش كانت تقول له: «أنا خائفة، الكلب لم ينبح، ثم إنني كنت صاحية فلم أسمع الباب الخارجي ينفتح، يا ترى من يكون هذا .. ؟ شعيب، خذ الشاقور معك، من يدري؟

ولف شعيب عمامته على رأسه في رعشة النوم لفا سريعا غير منظم، ثم نظر حوله وقصد الباب فأسرعت زوجته إلى الشاقور ووقفت خلفه، وصاح شعيب: من؟

فإذا صوت ضعيف كأنما تاتي به الرياح يجيب: افتح من فضلك .. أريد أن أتكلم معك ..

فقال شعيب: تكلم من هناك .. ماذا تريد؟

فرد الصوت بنفس العمق: أعتقد أنكم دفنتم رجلا حيا ..

وفتح شعيب الباب بسرعة وخرج: كيف؟؟

وتكلم الرجل الطويل الواسع العينين الذي كان واقفا خلف الباب، وعلى وجهه رعب كبير: «توقفت سيارتي إلى جانب المقبرة، فنزلت لإصلاح عطبها، فسمعت نداء استغاثة آتيا من المقبرة، وتسلقت السور ونزلت فلم أجد أحدا، كان الصوت يصدر عن قبر ما يزال نديا، لعل الذين دفنوا ذلك الميت لم يدركوا أنه كان ما يزال حيا .. »

فحك شعيب رأسه في حيرة، وقال: وماذا نفعل الآن؟

- إنني أقترح أن نحفر عليه حالا قبل أن يختنق بقلة الهواء، أو يموت رعبا، أو يفقد عقله إذا لم يمت.

فالتفت شعيب لزوجته: رحيمو .. هات الفأس ..

فخرجت هذه من خلف الباب والشاقور في يدها، ونظرت إلى الرجل في ريبة، ثم سألته:

- كيف دخلت إلى هنا ولم ينبح الكلب؟

- أعتقد أنه لم يرني ..

فاقتربت منه تنظر إلى عينيه الغائرتين بعينيها الجميلتين القاسيتين .. كان طويلا نحيفا في حوالي الأربعين، حسن التقاطيع، إلا أنه شاحب في رعب شديد، فعادت إلى سؤاله:

- وكيف دخلت الساحة والباب ما تزال مقفلة .. ؟

- أعتقد أنني قفزت على الزرب .. لم أشعر بما كنت أفعل .. ان رجلا هناك تحت التراب، حياته في أيدينا، وأنت تعتقدين أنني جئت لأسرق ..

وهنا تدخل شعيب بجد: هاتي الفأس وتعالي نحفر على الرجل.

فوقفت المرأة أمامه في صرامة: لن نفعل شيئا من ذلك .. أنت تعرف ما حصل لسي العربي حين حاول إخراج ميت ظن أنه ما يزال حيا .. قبض عليه ورمى به في الحبس .. ستذهب إلى مقدم الحومة، وذلك حتى تأخذ الإذن من سلطة البلد ..

وتزايد الرعب الذي كان في عيني الرجل النحيف .. ونظر إلى شعيب وزوجته ثم تكلم بصوت هامس كأنه لا يستطيع رفعه: تعال إذن نذهب إلى المقدم .. لا نضيع الوقت في الجدال.

واخرجت رحيمو جلباب شعيب فلبسه هذا وهو في طريقه خارجا ..

ومشيا معا في ممرات مظلمة بين زروب القصب الكثيفة والكلاب تنبح حتى وصلا بابا في حائط قصب أبيض فطرقها شعيب بقبضته وهو يصيح:

- هل المقدم هنا؟

فسمع صوت امرأة من الداخل يجيب:

- كلا ..

- وأين يمكن أن نجده؟

- في القهوة ..

- أي قهوة؟

- قهوة ابن روحو

والتفت شعيب إلى الرجل الذي كانت عيناه تزيد كبرا ورعبا:

- تعال ..

- هل القهوة بعيدة؟

- كلا إنها في السوق ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٧٢