تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد احتج الكردينال (كوتينج) أسقف بوسطون ضد مقترحات الأستاذ (جون روك) أحد أتباع هذه الكنيسة، وقد شاءت الأقدار إلا أن يكون من بين أتباع هذه الكنيسة السيد (جون كيندي) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ... لأن وجود رئيس الولايات المتحدة جعل المعركة القائمة تكتسي صبغة سياسية قد تؤدي إلى رفع القضية إلى الشعب الأمريكي ليقول فيها كلمته النهائية.

وقد أصبحت الإدارة الأمريكية الحالية في حالة من الارتباك والحيرة لا مثيل لها، لأنها تعترف أن مسألة مراقبة الولادة تهم مختلف الحكومات ومن بينها حكومة الولايات المتحدة، ذلك أن المبالغ التي يتطلبها مشروع الأكاديمية الوطنية للقيام بحملتها العالمية لا يمكن أن تصدر إلا من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن إعداد مثل هذه المبالغ يتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي على ميزانية خاصة بذلك قد تدخل في إطار مساعدة الولايات المتحدة للأقطار الأجنبية أو المنظمات الدولية، كما أن عرض مشروع هذه الميزانية يحتوي ضمنيا على موافقة إدارة الرئيس كيندي على مبدأ استعمال الوسائل الوقائية كما أن موافقة الرئيس كيندي تعني وقوفه ضد الكنيسة، الشيء الذي لا يرغب فيه كيندي ولا يفكر فيه، لأن وقوفه ضد الكنيسة سيؤدي إلى غضب المصوتين الكاثوليكيين عليه وسيؤدي حتما إلى سقوطه في الانتخابات المقبلة.

وخلافا لما قام به كيندي فقد ارتأى منافسه نيكسون أن يعرض قضية تحديد النسل على أنظار الشعب الأمريكي ليقول فيها كلمته، متحديا بذلك الرئيس كيندي ورجال الكنيسة الكاثوليكية.

وهكذا سيتم التصويت لأول مرة في إحدى الدول العظمى على مسألة أساسية تهم البشرية جمعاء.

وليس الذي يعنينا نحن من هذه القضية قيام معركة بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، كما أنه ليس يعنينا تحول القضية من الميدان الاجتماعي إلى الميدان السياسي, ولكن الذي يعنينا هو الجانب الاجتماعي لأنه يهم الإنسانية بأسرها.

لقد أصبح مشكل تكاثر سكان العالم حديث كل ناد وموضوع كلام كل مجمع ومحط أنظار كل هيئة اجتماعية دولية أو وطنية, فمن الواجب أن نهتم نحن بدورنا بهذه القضية وأن نعيرها ما تستحقه من الاهتمام، وسيكون من خطل الرأي أن نعتقد أن تكاثر السكان لا يهمنا نحن في البلاد الإفريقية عموما وشمال إفريقيا خصوصا والمغرب بوجه أخص، لأننا ما زلنا نتوفر على أراضي شاسعة وبقاع واسعة لا يعمرها أحد أو يسكنها قليل من الناس، وإنما يهم أوروبا لأنها لا تتسع لعدد السكان المتزايدين يوما عن يوم والذين أصبحت الأرض تضيق بهم.

وقد ذكرت في أول هذا المقال أن الأمر يتعلق بضرورة إيجاد توازن بين كل توسع ديموغرافي وتطور اقتصادي، وسوف لا يتم هذا التوازن في العالم إذا ظلت البشرية في تزايد مستمر وظلت نسبة هذا التزايد هي اثنين في المائة، فمن المتوقع أن يصبح عدد سكان الصين الشعبية في آخر هذا القرن مليار نسمة، كما يتوقع أن يرتفع عدد سكان الهند إلى ما يقرب هذا العدد، كما ينتظر أن يتضاعف عدد سكان الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كما سيصبح عدد سكان اليابان 110 ملايين في سنة 1995، ونحن لا نقدم هذه الأرقام جزافا وإنما أخذناها من تقارير خاصة وضعها علماء ديمغرافيون بإحصاء السكان في مختلف الأقطار التي تعرضنا لها، ويجب أن لا يعزب عن أذهاننا أن جل الأقطار التي ذكرنا ستصبح في حاجة ماسة إلى صادراتها التي كانت تعتبر زائدا على القدر الذي تستهلكه أسواقها الداخلية أو ستخص بالباقي من صادراتها بعض الدول التي يمكن أن يتم بينها تبادل تجاري يضمن استفادة الجانبين، وسيؤدي هذا لا محالة إلى فقد الدول النامية لكثير من المساعدات الأجنبية وافتقارها إلى المواد الغذائية التي تعد حيوية بالنسبة إليها كالقمح والخضر والسكر وغير ذلك ...

كل هذه العوامل تجعلنا أمام أمرين لا ثالث لهما: إما مواصلة الولادة بالنسبة التي أشرنا إليها، والتي ستجعلنا نلد كالأرانب كما قال الأستاذ الكبير توينبي في مؤتمر عقد مؤخرا لدراسة نتائج تزايد سكان الكرة الأرضية، والتي ستؤدي حتما إلى تعجيز كل مجهود يرمي إلى ازدهار الاقتصاد وتطور الفلاحة ونمو الإنتاج، وإما حصر الولادة، وهذا يدعو إلى استعمال وسائل غير طبيعية واللجوء إلى طريق غير مألوفة تنحصر كلها في عملية واحدة هي تحديد النسل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٦٤