لقد ارتأت أكاديمية العلوم الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الحلول تتلخص في اللجوء إلى تحديد النسل، لأنها رأت أن أحسن حل لحصر هذا التيار العارم رغم ما يتضمنه هذا الحل من صعوبات جمة وما ينطوي عليه من مشاكل عويصة، ذلك أن تحديد النسل نفسه مشكل صعب يتطلب تمرينا خاصا وتكوينا صحيحا، ويستدعي اللجوء إلى وسائل صعبة وطرق متشعبة، لذلك سوف لا نستغرب إذا رأينا الأكاديمية الوطنية للعلوم تضع برنامجا مستعجلا يتضمن خمس نقط مهمة هي:
1) - تطور البحث الطبي النباتي حتى يتوصل إلى أنجع الوسائل الكفيلة بالوصول لهذه الغاية.
2) - القيام بإشهار المعلومات المتعلقة بالموضوع بين الشعوب وتوزيع الوسائل الوقائية وسط المجتمعات.
3) - تكوين عدد مهم من الموظفين من رجال العلم والإدارة يعهد إليهم بتحقيق هذين الهدفين الأولين حتى يسهل تعميمهما بين مختلف الشعوب والقارات.
4) - إنشاء لجنة خاصة داخل أكاديمية العلوم الوطنية لتنسيق هذه الأعمال والدعوة إليها.
5) - القيام بدعاية كبرى لتشيع بين الناس الوسائل التقنية لتحديد النسل.
تلك أهم الوسائل التي أعلنتها الأكاديمية الوطنية للعلوم كمرحلة أولى للفت أنظار العالم إلى ما قد يحف به من الأخطار وما قد يتعرض له من الأضرار، وقد أدركت الأكاديمية أن هذه الوسائل ستلاقي في تطبيقها معارضة شديدة ومقاومة قوية من طرف الهيئات الاجتماعية والمنظمات السياسية التي تتمتع بنفوذ كبير وقوة تأثير شديد في كثير من الأقطار، فسيرى الكثير من هذه الهيئات أن تحديد النسل لا يجوز من الناحية الأخلاقية ولا يتفق وأبسط المعتقدات الدينية، لأنه وأد خفي تعاقب عليه الأديان السماوية، كما أن الأوساط الرجعية ستثور في وجه هذا التقرير مدعية أنه لا داعي لتعميم هذا الإجراء في كل مكان وأن الأفضل حصره في الأجزاء المضطرة إليه من الكرة الأرضية، ومن الغريب أن لا تسمح مثل هذه المنظمات بالقيام بتنظيم حملات لتحديد النسل، والأغرب منه أن تعتمد في ذلك على آراء عقيمة وأحكام سقيمة.
وقد اعتبرت الأكاديمية الوطنية للعلوم كل هذا وقررت مواجهة الأمر مهما كانت العواقب، فنشرت تقريرها واتخذت القرار بتوزيعه والدعاية له حتى يصل إلى جميع أركان المعمور متحدية بذلك كل مقاومة مهما كلفها ذلك من ثمن، وقد وجهت هذا التقرير تحت عنوان: (تقرير إلى الشعب) لتصبغه بصبغة الخطورة، كما أشارت إلى أن المشاكل التي يحدثها تكاثر الولادة وتزايد البشر في الأرض تكتسي صبغة سياسية زيادة على الصبغة الاقتصادية والاجتماعية، وقد جاء في خاتمة التقرير ما مفاده: «ليست هناك أية مشكلة تتطلب الحل السريع عدا تحقيق سلم دائم في العالم كقضية مراقبة الولادة وتحديد النسل».
أشرنا في مقدمة هذا المقال إلى أن تقرير أكاديمية العلوم أحدث ضجة مهمة في أوساط الشعب الأمريكي، حيث اهتم به مختلف العلماء وأولته الأهمية اللائقة به جميع الهيئات الاجتماعية والمنظمات السياسية، ومما يدل على اهتمام الشعب الأمريكي بهذه القضية أن صدور هذا التقرير صادف صدور كتاب مهم في هذا الموضوع لأحد أساتذة جامعة هارفارد تحت عنوان: «لقد حان الوقت: مقترحات طبيب كاثوليكي لإنهاء معركة مراقبة الولادة»، ويدل العنوان وحده على أن مؤلف الكتاب وهو الأستاذ (جون روك) يريد أن يقحم المسيحية الكاثوليكية في هذا الميدان حتى لا تبقى الكاثوليكية شبحا مخيفا يتقيه عامة الناس وتخشاه العلماء بوجه أخص. لقد قبل هذا الأستاذ الكاثوليكي والطبيب المسيحي مبدأ استعمال الوسائل الوقائية من الولادة مخالفا في ذلك جميع أصدقائه وزملائه الذين يحترمون الدين المسيحي الذي لا يسمح باستعمال مثل هذه الوسائل.
وإذا كنا أشرنا إلى أن أكاديمية العلوم قد اعترفت بمعارضة المنظمات الاجتماعية والهيئات السياسية والطوائف الدينية للمقترحات الخاصة بتحديد النسل فإن تخوف الأكاديمية الأمريكية كان في محله، إذ سرعان ما تعرض التقرير للنقد الذريع والمحاربة القوية وإن كان صدور كتاب الطبيب الكاثوليكي جون روك قد حول نسبيا المعركة التي كان من الممكن أن تنشب بين أصحاب التقرير وقادة الهيئات الدينية والاجتماعية والسياسية، حيث أصبحت المعركة قائمة بين الكنيسة الكاثوليكية واحد أتباعها.