وقد جاء في هذا التقرير الخطير كذلك أن هذه الزيادة في السكان لا يمكن أن تنسجم أبدا مع السير الحالي للتطور الاقتصادي الحديث، ولو كان الشيطان لرجال الاقتصاد ظهيرا، لأنها تعدو تطور كل تقدم اقتصادي وتفوق مجرى أي ازدهار صناعي، ويرى أصحاب التقرير أن زيادة سكان الكرة الأرضية بهذه النسبة يعتبر عبئا ثقيلا يتنافى والمجهودات المبذولة لتحسين حالة المخلوقات الموجودة حاليا وتطور البشرية جمعاء.
تلك أهم الاستنتاجات التي توصل إليها هؤلاء العلماء الديمغرافيون بالولايات المتحدة الأمريكية وهي تعطينا أضواء واضحة على الأخطار التي تهدد البشرية من جراء تزايد سكان المعمور، ونحن ندرك ما تقوم به عدد من المنظمات الاجتماعية في مختلف الأقطار في سبيل حصر هذا الداء الفتاك، كما نقدر الأعمال الجليلة التي تقوم بها مختلف الهيئات الدولية لصد هذا التيار المهول الذي سيؤدي إذا لم يتدارك في حينه إلى عدم الاستقرار في العالم من جهة وإلى انهيار كل تطور وازدهار من جهة ثانية.
وسوف لا يشعر القراء بهذه الآفة الخطيرة الشريرة إلا إذا علموا أن أزيد من نصف سكان المعمور يموتون اليوم جوعا، وأن خطر المجاعة لحق بمليار وخمسمائة ومليون نسمة. وقد قامت منظمة التغذية والفلاحة الدولية بتنظيم أسبوع للقضاء على المجاعة في العالم ومحاربة أخطارها في مختلف أنحاء المعمور، وقد نظم المغرب بدوره أسبوعا للقضاء على المجاعة ابتداء من 21 مارس من السنة الجارية وانتهى في 28 منه، وكان الغرض من تنظيم هذا الأسبوع الوصول إلى هدفين اثنين:
أولهما:
إشعار البشرية بمشاكل المجاعة والتغذية السيئة التي تقض مضجع أزيد من نصف سكان المعمور، والتي تشكل خطرا دائما على الأمن والتطور في العالم، بالإضافة إلى الآلام التي تحدثها للمحتاجين وذوي الفاقة.
ثانيهما:
تهييء جو ملائم ليتدارس الناس الحلول الناجعة التي يمكن أن يتوصل بواسطتها إلى محاربة المجاعة في الميدانين الوطني والدولي.
ومن الطبيعي أن الإنسان لا يستطيع إذا كان جائعا أو متناولا لتغذية سيئة أن يباشر أي عمل من الأعمال مهما صغر، كما أنه لا يستطيع في هذه الحالة أن يستفيد من عمله إذا عمل.
وقد استطاع العلم الحديث أن يخترع الذرة ويصرفها حسب أهوائه ومناه، كما توصل إلى إرسال إنسان إلى الفضاء، ومكن هذا الفرد من الاتصال بالأرض وهو في الجو، كما أمكن للعلم الحديث بفضل تطوره وتقدمه أن يقضي على الأمراض التي كانت إلى عهد قريب معدية فتاكة تقضي على العائلات بأسرها، بل وتحطم القرى والمدن بأكملها، ولكنه ويا للأسف لم يستطع حتى الآن أن ينجي الإنسان من الموت جوعا، فما زال نصف العالم يموت جوعا وما زالت البشرية تعيش ويلات المجاعة، والسبب يرجع في كل هذا إلى ارتفاع سكان العالم والنقص الحاصل في الإنتاج الزراعي.
فما دامت البشرية عاجزة عن تحقيق هذا التوازن المنشود بين زيادة السكان ونقصان الإنتاج فإن خطر تزايد السكان سيكون عظيما ونتائجه وخيمة وضرره وبيلا، فما هو الحل الممكن لحصول هذا التوازن؟ وهل اكتفى العلماء الديمغرافيون الأمريكيون بذكر هذه الاستنتاجات دون تعداد الحلول الكفيلة بوضع حد لتزايد سكان العالم؟ وما هي هذه الحلول إذن؟
قبل التعرض إلى الإجابة على هذه الأسئلة أود أن أؤكد أن من واجب البشرية جمعاء أن تجعل حدا لهذا الضغط البشري وهذا التيار الديمغرافي الذي يعرقل كل تطور اقتصادي. فالبشرية لا تتوفر على وسائل الاستثمار الكافية وطرق الاستغلال الكفيلة بإطعام ضعف سكان العالم بعد ثلاثين سنة، لأن وسائلها محدودة وطرقها دقيقة، وليس في استطاعة الإنسانية أن تفر من عواقب هذه الزيادة في عدد سكان المعمور التي ستصبح بعد حين عبئا لا يحتمل وتبعة لا يستطيع مواجهتها أحد. ومما لا شك فيه أن من دواعي التحسر أن يقف العلم الحديث رغم تطوره وتقدمه العظيمين مشدوها عاجزا أمام هذه الظاهرة الغريبة فما هو العمل؟