تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القيصر تسعى في إجراء قرض من سوق لوندرا، وبطبيعة الحال سوف لا توافق السياسة الإنجليزية على تقديم هذه المساعدة المالية إلا إذا أرادت روسيا أن تسوي الخلافات الآسيوية.

إذن فالشواغل الأوروبية هي التي هيمنت على هذه المفاوضات التي أسفرت عن اتفاق 30 غشت 1907 .. يأتي في المقام الثاني الرغبة في المحافظة على سلامة الهند. ولم تتردد الحكومة البريطانية في إخضاع طرف من مصالحها الاقتصادية في فارس، لهذه المقاصد السياسية؛ وعبثا حاول نائب الملك في الهند أن يحصل في هذه البلاد على «رقعة أكبر من أجل التوسع التجاري» وعبثا كذلك لاحظ الوزير الإنجليزي في طهران أن منطقة النفوذ المخصصة لبريطانيا «لا تكفيها للتوسع الاقتصادي». وبالرغم من أن الرأي العام كان يعرف أن الاتفاق حول فارس ـ هذا الاتفاق الذي اعتبر وكأنه «مساومة مجردة من أية قيمة» ـ أمرا قابلا للأخذ والرد، إلا أنه أعرب عن ارتياحه لهذه الخطوة التي قد تكون مقدمة لتفاهم إنجليزي روسي على الصعيد السياسي العام.

ما هي أهمية هذه السنوات القليلة والمليئة بالأحداث بالنسبة لتطور العلاقات الدولية؟

فهل يعتبر «التكتل» الذي أصبح قائما بين الدول العظمى أبرز ظاهرة مميزة لهذه الفترة؟ كلا؛ فلهذه الظاهرة قيمتها من حيث دلالتها فقط. لأن بريطانيا العظمى كانت تأبى على نفسها أن تلتزم بأي عهد من شأنه أن يحول الوفاق الودي إلى تحالف: فقد قال السير ادوارد غري بكل وضوح في يناير 1906 بأنه رفض عن وعي وببرودة دم «الالتزام بتعهد ما ... قبل أن تعرف أسباب النزاع أو تكون هذه الأسباب قد بدأت تظهر». أما ما يخص الإنجليز والروس فإن الاتفاق المبرم بينهما لم يكن يتضمن أدنى وعد على صعيد السياسة العامة؛ بل إن هذا الاتفاق ترك الباب مفتوحا على مصراعيه فيما يرجع للقضية الأساسية ألا وهي المضايق العثمانية: وعبثا حاول ايرفولسكي أن يحصل على وعد بمراجعة الاتفاقية الدولية لسنة 1841 (*) إذن فالوفاق الثلاثي لم يكن إلا بمثابة الخطوط الأولى التي ترسم للصورة، لا الصورة ذاتها. وقد لاحظ السير ادوارد غري أن «تكتل فرنسا ـ انجلترا ـ وروسيا ضعيف البنيان» وكان يعتقد أن ليس في الإمكان تعزيزه بسرعة.

ان التبدل الطارئ على النفسية الجماعية هو الذي يهم أكثر من غيره. إذ يعد إبرام الاتفاق الإنجليزي ـ الروسي نبهت الصحافة الألمانية إلى حالة «التطويق» التي أصابت ألمانيا. ولم يكن جمهور من الرأي العام في بريطانيا العظمى، بل وفي فرنسا كذلك، لينسوا أن ألمانيا أثناء أزمة 1905 ـ 1906 قد لجأت إلى وسائل التهديد وتصرفت وكأنها تريد القيام بالحرب؛ كانت الرغبة إذن تجنح إلى إقامة حاجز دون المطامح الألمانية، بالرغم من أن بعض المفكرين من أمثال هانوتو (*)، ظلوا يندبون هذه الرغبة. وهذه الحالة النفسية نتجت عن الانتصارات التي حققها ديلكاسه في 1902 و1904، وبوجه خاص نتجت عن الأساليب التي لجأت إليها الحكومة الألمانية في سبيل فصم عرى الوفاق الودي والتحالف الفرنسي ـ الروسي، تلك الأساليب التي أعطت نتائج عكسية بمعنى أنها عززت جانب هذه الأحلاف بدلا من أن تحطمها.

ولو تمحصنا هذه السلسلة من الأحلاف، لوجدنا أن أسبابها الأساسية راجعة إلى الاهتمام بأمن الدولة، والرغبة في الجاه، وإرادة العظمة.

*) يقرأ الهامش في الـ pdf

*) يقرأ الهامش في الـ pdf

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٥٩