في البحر الأبيض المتوسط أو في الشواطئ المغربية مهددا بالتغيير. ثم إن التحالف الفرنسي ـ الروسي الذي تأثر جدا بمعاهدة ابجوركي، ظل سائر المفعول؛ حقا إن الفعالية الواقعية للاتفاق العسكري كانت محدودة جدا باعتبار أن الجيش الروسي باعتراف من رئيسه نفسه، لم يكن قادرا على تعبئة «ما ينويه من الجنود» ـ لم يكن العدد معروفا بالضبط ـ إلا في أمد طويل، ولكن التضامن الدبلوماسي ظهر جليا في مؤتمر الجزيرة حيث تلقى الوفد الروسي أمرا بمساندة وجهة النظر الفرنسية، مقابل الوعد بتقديم مساعدة مالية. إلا أن نقطة الضعف في نظام ديلكاسه الدبلوماسي؛ ظلت قائمة: وهي أن الخلافات الإنجليزية الروسية التي سويت في الشرق الأقصى بما أسفرت عنه حرب منشوريا من نتائج هذه الخلافات لم تستوف آسيا الوسطى والشرق الأدنى؛ ولذلك عمدت بريطانيا العظمى عندما كانت بصدد تجديد معاهدة تحالفها مع اليابان، في شتنبر 1905، إلى إدراج بند يتعلق بحماية الهند.
أما وان الحكومة البريطانية وطدت العزم في الأخير على أن تتقارب مع روسيا، فتلكم كانت المبادرة الأساسية. فلماذا فكرت فيها بريطانيا وكيف نجحت في هذا المسعى؟
في لوندرة كانت شواغل السياسة العامة هي المتحكمة في توجيه هذا القرار. كان الأمر يتعلق أولا بتعزيز جانب الوفاق الودي الفرنسي ـ الإنجليزي، وسيكتب عما قريب السيد ادوارد ( Edward Grey) ما نصه: «سوف لا نستطيع أن ننهج في آن واحد سياسة التفاهم مع فرنسا وسياسة التصلب مع روسيا» فكان الوضع يدعو بالأحرى إلى جعل حد لمحاولات ألمانيا في إبرام حلف قاري: نعم علمت وزارة الخارجية البريطانية عن طريق الصدفة تقريبا، إن غليوم الثاني كان يسعى اعتبارا من غشت 1905 في أن ينشئ في ابجوركية «تكتلا يضم ألمانيا وفرنسا وروسيا دون بريطانيا العظمى»؛ وقد تلقت من مصدر فرنسي ما يؤكد هذا الخبر ليس من شك في أن المحاولة باءت بالفشل إلا أنها قد تستأنف عما قريب بين ألمانيا وروسيا، على الأقل. ثم إن الوهن العسكري لروسيا كان لبضع سنين يفسح لألمانيا مجالات مواتية: ولهذا كان «الخطر الألماني» هو الشغل الشاغل؛ وكانت بريطانيا العظمى أكثر الدول إدراكا لهذا الخطر فأخذت منذ مايو 1906 ترقب التطور الجديد الطارئ على برنامج إنشاء السفن الحربية الألمانية. وفي 20 فبراير 1906 لاحظ غري في مذكرة كتبها لنفسها ما يلي: «أن تفاهما بين روسيا وفرنسا وبريطانيا العظمى قد يتيح لنا الاطمئنان المطلق. فإذا كان من اللازم إحباط مساعي ألماني فعلينا بهذا التفاهم».
وفي بطرسبوغ حيث خلف الاسكندر ايزفولسكي ( Isvolsky في مايو 1906، الكونت لامسدورف ( Lamsdorff) في مايو 1906، الكونت لامسدورف (البرلمان الروسي) اعتقد وزير الخارجية الجديد أن روسيا مدعوة، بعد أن خابت آمالها في آسيا الشرقية إلى أن تسلك من جديد سياسة بلقانية بمجرد ما تصبح قادرة على ذلك. وستجد في البلقان معارضة النمسا ـ هنغاريا، فكان عليها والحالة هذه أن تبحث لنفسها عن دعامات دبلوماسية. كان ايزوفولسكي يشعر بالحاجة إلى تقوية الحلف الفرنسي ـ الروسي، بيد أنه بات يدرك كذلك أنه لكي يصل إلى هذه الغاية لابد له من السعي في تقارب مع بريطانيا العظمى: والا تعرض الحلف من جديد للخطر آجلا أو عاجلا من جراء الخلافات الإنجليزية ـ الروسية، إذ قد تعمد ألمانيا، لاستغلال هذه الفرصة، فتسلك من جيد سياسة ابجوركية. كان هذا أيضا رأي السفير الروسي بنكاندروف ( Benckendorff) المعتمد في لوندرة إذ قال: «إن التحالف مع فرنسا رهين إلى حد كبير بعلاقاتنا مع انجلترا».
إلا أن تحقيق هذا التقارب يستدعي ـ وهذا هو الشرط الأول ـ تراجع روسيا عن القيام بأية مبادرة في الشرق الأدنى أو آسيا الوسطى، لأن مبادرة من هذا القبيل معناها تعريض سلامة الهند للخطر. والحقيقة أن هذه التضحية أمر لا مفر منه كيفما كانت الظروف طالما أن الجيش الروسي كان وقتئذ غير قادر على المجازفة بنزاع في هذه المناطق مع بريطانيا العظمى. إذن فمن الأولى أن يسلم المرء بهذه الحقيقة الناصعة ثم يحاول أن يتفاوض حول هذا التراجع ليكسب منه أكثر ما يمكن كسبه. وأخيرا يأتي عامل قلة الموارد المالية الروسية ويلعب دوره كذلك إذ كانت حكومة