بالسياسة العامة الألمانية. وأولها تفكيك الوفاق الودي الفرنسي الإنجليزي: فلو تدخلت ألمانيا في القضية المغربية وفسرت لبريطانيا العظمى تفسيرا حرفيا التعهدات الدبلوماسية التي أبرمتها في 8 أبريل 1904، لظهر لفرنسا خطاها في الاعتماد على الصداقة الإنجليزية وهذا ما سيجعل التقارب بين الدول العظمى الغربية عديم الجدوى. وثانيهما مرتبط بالمجالات التي فتحتها الحرب الروسية اليابانية: فقد أدركت حكومة القيصر منذ الهزائم الأولى التي منيت بها روسيا في منشوريا، ان التحالف الإنجليزي ـ الياباني هو مصدر كل متاعبها؛ فكانت والحالة هذه غير راضية على فرنسا التي أخذت تتقارب من بريطانيا العظمى وقد اندلعت الحرب بالفعل، وهكذا سيصبح في وسع ألمانيا أن تستغل هذا التذمر لتعرض سندها على روسيا بمجرد ما تسنح بذلك أول فرصة، فتصل بذلك إلى زعزعة الحلف الفرنسي ـ الروسي بل إلى تحطيمه إن اقتضى الحال. حقا إن الحكومة الفرنسية لو اضطرت للاختيار بين الصداقة الإنجليزية والصداقة الروسية لفضلت بدون شك العدول عن الوفاق الودي لأن الأسطول الإنجليزي ـ كما قال غليوم الثاني ـ «غير قادر على حماية باريس».
وفي حالة كهذه سيكون في إمكان السياسة الألمانية أن تحصل على النتيجة الآتية: إحلال «حلف قار» محل التحالف الفرنسي ـ الإنجليزي، وستضطر فرنسا إلى الدخول في هذا الحلف إلى جانب روسيا وألمانيا دون أن يكون لها مكانة بارزة فيه.
والواقع ـ وهذا ما تؤيده الوثائق الدبلوماسية ـ ان هذه الأهداف السياسية هي التي ظلت، طيلة الأزمة الدولية، تتحكم في اتجاه المبادرات الألمانية للوصول إلى غايات متشابكة. ففي أكتوبر 1904 كان مشروع التدخل في القضية المغربية قد أعد بالفعل ولكن غليوم الثاني أجل تنفيذه بسبب وقوع حادث إنجليزي ـ روسي في بحر الشمال ـ قضية دوجير بانك* ـ هذا الحادث الذي حذا به إلى أن يعرض على القيصر إبرام حلف دفاعي. ولما فشلت ألمانيا في مسعاها هذا قررت أن تثير من جديد الجدال حول المغرب لتزعزع بذلك أركان الوفاق الودي؛ ولكنها بعد سقوط ديلكاسه قررت أن تسلك سبيلا آخر؛ وأعتقد أنها ستنجح في هذا السبيل حينما قبل القصير، وقد كان حسيبا من جراء الهزيمة العسكرية في منشوريا وبسبب تهديد الثوار، بتاريخ 24 يوليوز 1905 قبل أن يوقع في بجوركيه ( Bjôrkoe) على معاهدة سرية تنص على إقامة تحالف دفاعي بين روسيا وألماني، على أن تدعى فرنسا للمشاركة في هذا الحلف وتكون بمثابة شريك ثانوي. وقد تصور بولوف في هذه الآونة أن يترك هذا الحلق القاري. وعندما جس نبض الحكومة الفرنسية في أكتوبر 1905 أجابت بأنها لا تفكر تماما في هذا الاحتمال، وعندئذ أدرك القيصر مدى ما سيرتكبه من طيش إن هو أقدم على تحطيم الحلف الفرنسي ـ الروسي ـ فعدل عن معاهدة ابجوركية، ولم تلبث السياسة الألمانية أن ولت وجهها من جديد نحو القضية المغربية، وكانت في هذه المرة تعنتا وعنادا.
فهل هذه مناورات دبلوماسية كانت تبحث ـ على حد تعبير السفير الألماني «على الثانية عشرة زوالا في الساعة الثانية؟».
إنها كذلك ما في ذلك من شك. ولكنها ليست بأحداث بسيطة. فلو لم يكن بولوف مقنعا بنجاح أساليبه لما أبعد فكرة الحرب الوقائية التي اقترحتها عليه أركان الحرب.
إلا أن هذه السياسة الألمانية أخفقت إخفاقا ذريعا؛ إذ أن الوفاق الودي لم يتزعزع بل تعزز جانبه. ففي يناير 1906، ومؤتمر الجزيرة الخضراء على الأبواب، بات حدوث حرب فرنسية ألمانية وكأنه قريب الوقوع، في هذا الوقت سمحت الحكومة الإنجليزية بدون أن يكون في نيتها أن تلتزم مقدما بتعهد ثابت أو تحالف معين، سمحت لأركان حربها أن تدرس مع أركان الحرب الفرنسية «أسس العمل العسكري الموحد»؛ إذن فلأول مرة تفكر انجلترا في التدخل في حرب قارية: إن انحسار روسيا هو الذي دفعها إلى أن تلقي بنفسها في الميزان لتعادل قوة الدولة الألمانية. وقد تعهدت إسبانيا بواسطة اتفاق 16 مايو 1907 بأن لا تتخلى لألمانيا عن جزر الكناريا أو الباليار، ووعدت بأن «توحد خطتها» مع فرنسا وبريطانيا العظمى إذا ما أصبح الوضع الراهن
* لما كان البارجة الروسية سائرة في بحر البلطيق نحو الشرق الأقصى لمحت زورقا انجليزيا وظنت أنه يريد بها سوءا فأطلقت النار عليه (المؤلف).