الفرنسية بأن هذه سوق لا تسعى في «بسط نفوذها» على طرابلس؛ والمقابل هو عدم عرقلة العمل الذي قد تقوم به فرنسا في المغرب الأقصى. وفي الجملة كان يهدف هذا «الانفراج» الفرنسي ـ الإيطالي إلى وضع حد للتنافس الاستعماري بين البلدين وذلك بتقاسم مناطق النفوذ.
بيد أن الحكومة الإيطالية لم تقف عند هذا الحد بل سلكت في سنة 1902 طريقا أدى بها إلى إبرام اتفاق سياسي. كان الملك عمانويل الثالث، وقد اعتلى العرش بعد مقتل هومبيرت ( Humbert)، يأمل في هذا التقارب مع فرنسا، وهدفه من ذلك الحصول على «استقلال أكثر»، إزاء كل من ألمانيا والنمسا، وكان يشاطره هذا الرأي رئيس الوزراء زانارديلي ( Zanardilli) الذي ظل يحتفظ منذ أن كان زعيما لحزب البعث الإيطالي بعواطف مناوئة للنمساويين؛ فقد كان يقول: إن إيطاليا ترغب في القيام بعملية تحويل في الدخل ولا يمكن أن يتأتى لها ذلك إلا بالاعتماد على السوق المالية الفرنسية؛ إلا أن الحكومة الفرنسية لم تكن مستعدة لقبول قيمة الإسناد المالية إلا إذا قدمت لها إيطاليا تأكيدات سياسية. تلكم، فيما يؤخذ من البحث التاريخي في حالته الراهنة، الدوافع الأساسية التي جعلت الحكومة الإيطالية (تترجم) ما تعهدت به كتابة في معاهدتها مع ألمانيا.
عندما أقدمت كل من إيطاليا وبريطانيا العظمى على إبرام هذه الاتفاقات، لم يكن لهما مع ذلك نية في الاشتراك في «نظام مناوئ لألمانيا»؛ فلم ترغب الحكومة الإيطالية في العدول عن الحلف الثلاثي لأنها كانت تخشى الوقوع في «أحضان التبعية لفرنسا»، كما كانت تخاف من إضاعة الفرصة التي قد تكسبها من تحكيم ألمانيا، إذا ما حدث نزاع إيطالي نمساوي. ثم إنها كانت بحاجة قصوى إلى السوق الألمانية التي كانت بمثابة منفذ لمنتجاتها الزراعية.
أما الحكومة الإنجليزية فلم تكن تجهل، أثناء التوقيع على اتفاقات 8 أبريل 1904، بأن ديلكاسه كان يقصد «إبقاء ألمانيا بعيدة» عن تسوية القضية المغربية، ولهذا التزمت جانب الحذر من أجل المستقبل ولم تتعهد لفرنسا في هذه القضية إلا بالسند الدبلوماسي إنها لم تفكر في تحالف فما بالك باتفاق عسكري بري أو بحري. ولكن بإمكان المرء أن يطرح هذا السؤال: ألم يخطر ببال الذين قاموا بالتقارب، من أمثال بلفورولا نسدوون، أن هذا العمل في حد ذاته قد يصبح مقدمة لخطوات أخرى من شأنها إن تبعدهم عن الهدف الذي توخي في أول الأمر؟ يظهر من كتابات المؤرخين الإنجليز ان رجال الدولة الإنجليزية في قضية «تبادل» مصر بالمغرب قد استسلموا للحوادث دون سابق حساب، ودون إمعان عميق. إلا أن الشيء الذي لا يقبل الجدل أن فرنسا لم تستطع أن تتأكد من عون مسلح إنجليزي ولا حتى من حياد إيطالي، إذا ما حدث بينها وبين ألمانيا نزاع: وكل ما كانت تعول عليه هو احتمال حدوث هذه الأمور. وهذه النتائج نفسها قد تصطدم بالتطاحن الروسي الإنجليزي في مسألة الشرق الأقصى، هذا التطاحن الذي ازداد حدة اعتبارا من سنة 1902 تاريخ إبرام التحالف الإنجليزي ـ الياباني. إذ كيف سيكون في وسع فرنسا ـ إذا حدثت حرب روسية ـ يابانية ـ أن تفي بتعهداتها إزاء حليفتها روسيا وأن تحافظ في نفس بتعهداتها إزاء حليفتها روسيا وأن تحافظ في نفس الوقت على صداقتها مع إنجلترا حليفة اليابان؟ أن ديلكاسه كان مدركا تمام الإدراك لهذه الأزمة ومنذ خريف 1903 أعرب لبول كامبون عن رغبته في حمل روسيا وانجلترا على تصفية خلافاتها؛ إلا أن هذه الرغبة ظلت أفلاطونية حيث أنه سعى عبثا، في يناير 1904، في أن يلعب دور الوسيط بين روسيا واليابان.
أما الحكومة الألمانية فإنها، بمجرد إبرام الوفاق الودي، لم تخف حسرتها وأخذت على ديلكاسه كونه دفع بإيطاليا في طريق «الرذيلة». فما هو رد الفعل الذي قامت به ألمانيا؟ ان النزاع الروسي ـ الياباني الذي من شأنه أن يزعزع الحلف الفرنسي ـ الروسي، وأن يشل في رمشة عين فعاليته العسكرية قد فسح مجالات مواتية للمبادرات الألمانية فماذا ستفعل فرنسا إزاء تهديد ما؟ لقد قام ديلكاسه ـ وهذه نقطة ضعف في سياسته ـ بعمل منفرد دون أن تكون الوسائل العسكرية والحالة النفسية للبلاد موازية لسياسته هذه.
إذن كانت الحرب اليابانية ـ الروسية امتحانا عظيما للنظام الديبلوماسي الذي شيده ديلكاسه. وفيها ظهرت كذلك نوايا السياسة الألمانية التي قررت أن تستغل هذه الحرب لعرقلة عمل فرنسا في الدولة العلوية. بيد أن الحكومة الألمانية بإثارتها هذه المسألة كانت تهدف ولاشك إلى خدمة مصالحها الاقتصادية وأكثر من ذلك اعتبارات الجاه والنفوذ. ومع ذلك كانت هذه العوامل ثانوية إذ أن المستشار بولوف قال في سنة 1905: أن المملكة العلوية لا تمثل، بالنسبة لمصالح ألمانيا العامة إلا «مكانة ضئيلة جدا». وهكذا فالأهداف مرتبطة