تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جرت في المجلس الوزاري. على أن السبب الرئيسي الذي أدى إلى تسوية الخلافات الاستعمارية الفرنسية ـ الإنكليزية، هو الفشل الذي منيت به محاولة إبرام حلف إنكليزي ـ ألماني. كان جوزيف تشامبرلان من أول المتحمسين لمشروع هذا الحلف، ثم ما لبث بعد ذلك أن أضحى من أول الدعاة إلى حل آخر، وصرح في دجنبر1902 لقنصل فرنسا بالقاهرة بأن انكلترا أصبحت ملزمة بالعدول عن سياسة العزلة، وأنها فكرت في وفاق مع ألمانيا فأخفقت دون ذلك، وانها ترغب والحالة هذه في الحصول على صداقة فرنسا. وللدخول في المفاوضات كان ينبغي الابتداء «بتبادل العرابين» لاشك أن تجربة حرب جنوب افريقيا، تلك التجربة التي دلت على ضعف الوسائل العسكرية البريطانية، كانت عاملا في هذا التحول. وقد كتب عنها القائم بالأعمال الفرنسي فقال: «بأنها بداية التعقل». ثم إن إنشاء الأسطول الحربي الألماني كان يقلق بال الحكومة والإمبرالية معا: ولم يتخذ قرار إنشاء قاعدة بحرية كبرى على الضفة الشرقية من ايكوسيا إلا في أكتوبر 1902.

وما من ريب في أن حالة الرأي العام الذي أظهر إزاء ألمانيا حذرا شديدا سهلت هذا التطور الطارئ على السياسة البريطانية، فقد أشارت الصحف إلى المنافسة التجارية، وأبدت بعض التخوفات إزاء قضية سكة حديد بغداد بل ذهبت إلى القول بأن السياسة الألمانية أرادت أثناء حوادث فينزويلا، أن تفحم بريطانيا العظمى في طريق خطير، فتحدث بذلك غيوما في سماء العلاقات البريطانية ـ الأمريكية. ان هذه «القطيعة المعنوية» لمن الأهمية بمكان.

إلى جانب هذه التيارات التي ظهرت في الرأي العام، وبالإضافة إلى الشواغل التي برزت عند رجال الحكم هل ينبغي أن ينضاف العامل المادي في تعليل هذا التطور؟ إن ميزانية بريطانيا العظمى وعملتها قد اجتازتا في أعقاب حرب جنوب افريقية صعوبات جمة، فأضحت لأول مرة منذ مائة وخمسين عاما مضطرة إلى إجراء قروض خارجية، وكانت في حاجة دخول إلى رؤوس الأموال وأغلبية هذه الأموال من فرنسا.

إن إيجاد علاقة بين المساعدة المقدمة من لدن السوق المالية الفرنسية لبريطانيا العظمى وبين التفاوض حول إبرام اتفاق سياسي، لمن الفرضيات الباعثة على الإغراء. إلا أن هذا الافتراض لا يقف صامدا أمام تحري الوثائق. فالقروض الخارجية التي قدتها الحكومة الإنجليزية كانت في معظمها من الولايات المتحدة. ولم يكن التيار القوي لرؤوس الأموال الفرنسية التي توافدت على بريطانيا العظمى بقصد الاستثمار إلا شيئا تلقائيا. ولعل الرأسماليين الفرنسيين كان يغريهم ما يجدونه في سوق لوندرة من قائدة أكثر من التي تقدمها لهم باريس، ولعلم كانوا يعرضون عن فرنسا لما تفرضه هذه من ضرائب فادحة على الأرباح. إن هذه العلاقات المالية لم يؤد إلى أدنى تفاوض بين الحكومتين. ولم يتم التفاوض حول اتفاق مؤقت بين بنك فرنسا وبنك انكلترا إلا بعد مرور سنة كاملة على إبرام اتفاقات 8 أبريل 1904؛ ثم إن هذا المشروع نفسه قد أقبر فيما بعد وبقي حبرا على ورق.

ولقد بدأ الاتجاه الجديد للسياسة الخارجية الإيطالية يظهر اعتبارا من سنة 1896 أي منذ الهزيمة التي منيت بها إيطاليا في الحبشة وما تبع ذلك من سقوط كريسبي ( Crispi). إن إيطاليا وقد فشلت في افريقيا الشرقية، لم تعد تتجه بأنظارها إلا لطرابلس الغرب. ورأت في هذه البلاد ميدانا خصبا للتوسع الاستعماري؛ ولهذه الغاية كانت إيطاليا في حاجة إلى التأكد من حسن نية فرنسا. ولهذا السبب قبلت في شتنبر 1896 بأن تعترف ضمنيا بالحماية الفرنسية على تونس، شريطة الحصول على ضمان الامتيازات التي كان الباي قد خولها منذ سنة 1868 للإيطاليين المقيمين في هذه البلاد. ولها السبب كذلك وضعت في نوفمبر 1898 حدا «للحرب الجمركية» التي ظلت قائمة بين البلدين عشر سنوات، تلك الحرب التي أنزلت في الحقيقة بالاقتصاد الإيطالي خسارات أفدح من التي لحقت بالاقتصاد الفرنسي. وهكذا تلقت إيطاليا في دجنبر 1900 تأكيدا من الحكومة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٥٥