تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.10، ع4 /مارس 1967 .................... ص 62

السياسة الدولية بين سنتي 1901 و1907

ترجمة: الأستاذ عبد الحق بنيس

-3 -

عندما استقر الوضع الدبلوماسي الجديد (بين سنتي 1902 و1904)، وصار الاتفاقان الفرنسي ـ الإيطالي والاتفاق الفرنسي ـ الإنجليزي ـ وهذا الأخير يختلف في الأهمية عن الأول اختلافا كبيرا ـ نافذي المفعول، أصبح زمام المبادرة في الحالتين معا رهينا بالسياسة الفرنسية، وبعبارة أخرى بسياسة ديلكاسه (( Delcassé)). وموضع التساؤل هنا هو: هل حدد ديلكاسه أهدافه منذ أن تقلد مهام وزارة الخارجية أولا؟ *. الشيء الثابت أن برنامجه في سنة 1902 كان واضح المعالم ثابت الأركان، إذ كان يهدف من وراء هذه السياسة إلى زعزعة الحلف الثلاثي والتخفيف من حدة الخلافات الاستعمارية بين انكلترا وفرنسا حتى يتعزز مركز فرنسا في أوروبا. كان ديلكاسه مطلق اليد في توجيه السياسة الخارجية الفرنسية حيث أن الحكومات التي شاركت فيها كانت تهتم أولا وقبل كل شيء بالقضايا الداخلية، ومن حسن حظه أن سفراء بارزين من أمثال بارير ( Barrère) في روما، وبول كامبون في لندن يساعدونه. تلكم إذن حالة نموذجية للدور الذي قد يلعبه الأشخاص في التاريخ، ولما قد يكون لهؤلاء من مميزات، وقدرة على فهم المشاكل الوطنية. ولكن ينبغي ألا نغمط الرأي العام حقه ـ وعلى الأقل بالنسبة للعلاقات مع بريطانيا العظمى ـ فهذا الرأي العام هو الذي ساند سياسة ديلكاسه، أولم تعرب جل الصحف في سنة 1901 عن أملها في «تسوية» الصعوبات بين فرنسا وانكلترا؟ ولعلها أرسلت هذه الصيحة بعدما رأت بوادر إبرام حلف بين انكلترا وألمانيا، ثم إن أصحاب التصدير في سنة 1902 قد أوجسوا خيفة من نجاح انكلترا في برنامجها الرامي إلى حماية مصنوعاتها، فرأوا في التقارب السياسي بين البلدين وسيلة للحصول على تخفيضات في التسعير الجمركي الإنكليزي، وهنالك ما هو أهم ألا وهو زعماء «الحزب الاستعماري». فهؤلاء كانوا في سنة 1898 من ألد أعداء التفاوض مع انكلترا فأضحوا في هذا الوقت من دعاة هذه السياسة.

إنها أحوال مواتية لنجاح هذه السياسة الجديدة.

ولكن لماذا فكرت كل من بريطانيا العظمى وإيطاليا في تقارب من فرنسا؟

أظهرت الحكومة البريطانية كثيرا من البطء في إعارة الأذن الصاغية لعروض ديلكاسه: فهذه العروض قدمت في غشت 1902 ولم تفتح المفاوضات حولها في الحقيقة إلا بعد مرور سنة كاملة على هذا التاريخ. فقد أظهر أعضاء الحكومة، وبالأحرى بلفور، خلف سالسبوري، وابن أخته، كثيرا من التحفظ. ولا يمكن في الوقت الراهن معرفة تفاصيل المداولات التي

* منذ سنة 1879، أي حينما كان محررا في جريدة غامبيتا واسمها «الجمهورية الفرنسية» كان يلح في مقالاته على فكرة «إعادة النظر في خريطة أروبا»، كما كان يدعو إلى التعاون مع انجلترا لقهر ألمانيا. إلا أن الملاحظات التاريخية تبين شيئا من التناقض في هذا الاتجاه، لاسيما في سنة 1901 حينما أراد وهو وزير للخارجية، أن يقدم عونا لروسيا ضدا على انكلترا.

(المترجم)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٥٤