تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتفسر -على أساس ذلك- موقف بعض من الدول التي استطاعت أن تجمع في نفس الوقت بين صفتين انتمائيتين لا يوجد بينهما قدر من التطابق والالتزام، فالبعض مثلا من الدول المنتسبة إلى هيئة الكومونولث البريطاني تنتمي في ذات الوقت إلى الجماعة الحيادية الدولية، ولم يقم هناك أي تعارض أساسي بين اتجاهها الحيادي المتين وبين وجودها داخل منظمة تتصل بعض الاتصال بالعالم الغربي الأطلسي، وإن كانت لا ترتبط بسياسة على خط مستقيم، وهكذا الأمر بالنسبة لأمثلة أخرى من هذا القبيل، وكل ذلك من شأنه أن يؤكد أن الحياد، وإن كان يضم دولا عديدة على صعيد مبدأ مشترك ويجمع بينهما في شبه تكتل تلقائي، إلا أن هذا التكتل لا ينطبق عليه تماما المفهوم الكلاسيكي الذي توحيه لأذهاننا روح الحذر والخوف من الأعداء والخصوم، وتؤثر على وجهتها مجموعة من العقد النفسانية التي يسببها هؤلاء الخصوم -فرق كبير بين ذلك وبين الحالة الماثلة في وجهة البلدان المحايدة- على الرغم مما بفصلها من اختلافات ومظاهر غموض وغيره-هذه الحالة التي تقوم على التلطيف من حدة الفراغ العالمي الناشئ عن الأحلاف، والإسهام بذلك في التقليل من وطأة المركبات المزمنة عند المتكتلين، والتأثير بالتالي على حظوظ العالم نحوالسلام والاستقرار.

وباعتبار آخر فهناك فرق آخر بين هؤلاء الذين تشدهم أحيانا معاهدات تكتلية شديدة الوطأة والإلزام تضيق أحيانا حتى لا تترك لهم الكثير من فرص العمل الدولي وحرية الاختيار المبدئي، وبين هؤلاء المحايدين الذين لا تتحكم في وجهتهم معاهدة حيادية خاصة، ولا تقيد إرادتهم مقتضيات تكتلية ضيقة، وإنما الذي يحدد علاقتهم مع بعضهم ومع العالم، هو الرغبة الملحة في التفاهم والتعاون والحرص الشديد على تمديد رفعة التقارب الدولي، وتكثير فرص السلام والتقدم على الصعيد الإنساني العالمي.

وعلى كل، فإن على الجماعة الحيادية الدولية أن تحقق القدر الكافي من التناسق فيما لينها سواء في الأفكار أوالمواقف، وذلك من أجل مواجهة التحديات العالمية التي تتوالى باستمرار، ومجابهة الحقائق المذهلة التي ما برح التطور العالمي يحدثها بدون توازن أوانقطاع، وهذا التناسق -الذي يختلف عن طبيعة التكتل داخل الأحلاف-ليس من شأنه إلا أن يساعد على تركيز فعالية الحياد الإيجابي في مجتمعنا العالمي الراهن، ويضمن للعقيدة الحيادية مجالا أوسع للمساهمة من أجل السلام والتعايش والتقدم.

سلا: المهدي البرجالي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٥٣