هي ذات إطار فضفاض متمطط يمكن أن يتسع لكثير من الأشياء بما في ذلك مظهر التناقض الذي يبدوأحيانا بين مجموعة وأخرى من المجموعات الدولية التي ترتبط بمفهوم الحياد وذلك في بعض الأوضاع والقضايا المختلفة التي لا تمس جوهر الحياد من أساسه، أما من حيث التناقض الذي ينشب بين الدول غبر المحايدة أي المرتبطة فيما بينها بروابط الأحلاف والتكتلات فإن تأثيره على علاقاتها يكون - ولا شك- أشد خطورة وأبعد مفعولا وذاك نتيجة حتمية لطبيعة الصلات التحالفية التي يوجد بينها وما تقتضيه هذه الصلات من ضرورة التناسق المطلق في مختلف وجهات النظر وأساليب العمل، على اختلاف الدرجات والمستويات، وكثير من الظواهر التي يلحظها المرء من خلال التطورات الداخلية سواء داخل هذا المعسكر أو ذاك من شانها أن تدل على كثير من الحقائق التي لها أهميتها في هذا المقام.
*********************
إن الفكرة الحيادية تعيش تجربة مرحلية هامة ومن أبرز الحقائق التي تكشف عنها هذه التجربة أن الحياد إذ يجب أن يكون أساسا لتعاون إيجابي فعال بين الدول التي تعيش خارج الأحلاف والتكتلات -فإنه -من جانب آخر- لا يصح أن يكون قاعدة انطلاق لتشكيل كتلة دولية جديدة منغلقة على نفسها وواقعة تحت تأثير الخوف والحذر من الكتل الأخرى المتنافسة في العالم، حقا إن هناك حالات تقارب واسع المدى بين كثير من الدول التي تعتنق مبدأ الحياد على نحو آخر، وكثيرا ما يشتد هذا التقارب وتقوى عوامله فيتخذ بذلك شكل تجمع حقيقي تتكتل في نطاقه دول حيادية بعضها مع بعض وترتبط فيما بينها بمواثيق أو معاهدات ذات صبغة ترابطية ملزمة، بل إن البعض من هذه المواثيق والمعاهدات بين الدول المحايدة قد اتسع نطاقه كثيرا في بعض الأحيان وأصبح يشمل جوانب ذات أهمية واسعة بما فيها الجوانب العسكرية أيضا، لكن ذلك - وبالرغم من جميع المظاهر- لا يدل بالضرورة على وجود أية صلة بين التفكير الحيادي وبين مظاهر التكتل العالمي بمفهومه التقليدي الباعث على مناوأة الجهات الدولية الأخرى والاشتباك معها في المنازعات الدائمة والانغمار وإياها في متاهات الحرب الباردة على اختلاف ما لها من أوجه وصور، إن الفكرة الحيادية لا تقوم في قواعدها على مجرد اجتناب التأثر بالحرب بل إنها تنزع إلى الإسهام عمليا في تنظيم الشؤون العالمية الكبرى والتأثير على طريقة هذا التنظيم وتوجيهها توجيها يستهدف التخفيف من حدة المنازعات القائمة كلما كان ذلك ممكنا، وليس من تناقض حتمي بين هذا الاتجاه الذي تحتويه الفكرة الحيادية وبين وجود مواثيق عسكرية تصل بين دول حيادية معينة، إذ العبرة في هذا الباب لا تكمن في مجرد وجود مثل هذه المواثيق، وإنما في طبيعة الروح التي تؤثر فيها وتسيطر بها على سير الاتجاهات والأحوال، ولعل من الواضح بالفعل أن الارتباطات العسكرية التي تقوم أو يجوز أن تقوم بين أقطار حيادية وأخرى لا يمكن أن تتأثر بروح التحيز ضد هذا الجانب أو ذاك أو عامل المناوأة لهذه الكتلة، إن أحوالا ارتباطية وتعاونية من هذا القبيل لا بد أن تكون متأثرة بروح إيجابية صحيحة كالرغبة -مثلا- في زيادة توثيق الصلات العامة، وتنسيق عدد من المواقف المشتركة ودرء الأخطار الطارئة عند الاقتضاء، ولكن في غير ما حرص على اصطناع المنازعات الدولية المختلفة، ودونما رغبة في تعقيد المشاكل العالمية، وتوسيع نطاق العداء والمناوأة الذي توحي به هذه المشاكل وتتأثر به إلى حد كبير.
إن النظرية الحيادية الجديدة تنزع في عمومها إلى الاندماج الكلي في قضايا العالم واهتماماته وهذا هو السبب في أن هذه النظرية لم تؤد بالفعل إلى تكوين حلف دولي ثالث يشمل مختلف الأقطار التي تتأثر بمبدأ الحياد ويتميز كما هو الأمر في الأحلاف العادية الموجودة بضيق جوانبه وشدة إلزاميته وتجمده في نطاق أهداف خاصة غبر قابلة في أكثر الحالات للتكيف والتلاؤم، فليس هناك من حالة يوجد قيها قطر حيادي مقيدا بقيود تحالفية صارمة تضع عليه واجب الخضوع المطلق للجماعة التي ينتسب إليها وإلا اعتبر منحرفا متمردا يجب الاقتصاص منه والتبرؤ من سلوكه كما هو الأمر من هذا القبيل، بالنسبة للكتل الدولية الأخرى في العالم، حقا إن أية دولة من الدول المحايدة لا بد أن تبقى وفية -في الأساس- للفكرة الحيادية من حيث المبدأ بما يقتضيه ذلك من عدم الالتزام بالحلاف وامتناع التحزب المطلق للجهات الدولية المتنازعة، ورفض البوادر السلبية المؤدية بطبيعتها إلى تأريث نيران الحرب ومضاعفة بواعث الصراع في العالم، هذه مقتضيات موضوعية يقوم عليها الفكر الحيادي في شكله البسيط المجرد، بيد أن الالتزام لهذه المقتضيات الحيادية لا يمكن أن يعد في نفس الوقت التزاما لمعسكر حيادي أو منظمة حيادية أو صديقة كبرى من الصديقات المحايدات، إنه التزام تلقائي تحدده إرادة كل دولة بصورة خاصة، وليس لأية دولة أخرى أومجموعة من الدول أن تتحكم في تكوين هذا الالتزام أو تؤثر على ضمان استمراره وتحقيق فعاليته ومتطلباته، وعلى ضوء ما يمكننا أن نعلل هذه المرونة الني يصطبغ بها التفكير الحيادي