تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع8 - 9 /دجنبر 1964 .................... ص47

تحية على الذكرى، لإبراهيم طوقان شاعر الوطن المغصوب

للدكتور: زكي المحاسني

كنت أطرب لأبي الطيب المتنبي حين أجده متغزلا، لكنه كان يخرج من الغزل منفضا أثوابه: غاسلا يديه، وأحسبه كان غارقا يومئذ في الهوى والشباب والأمل المنشود، وقد ضاعت جميعها من يديه، إذ كان مطلبه في الحياة فوق هم الفؤاد اللهو والحب. لقد كان متيما بالمثل العليا في اليأس والحرب، وكان كأنه يسمع أصواتها تدعوه إلى لقائها، فوطد نفسه منذ صباه على الاستجابة لندائها، ولكن نداءاتها البعيدة الشريدة أضاعته في خضم الحياة كما ضاع «عوليس» حين استجاب في مضيعة البحار لنداءات «السيرين» عرائس البحر المسدلات شعور الذهب ذوات الأنصاف الدنيا بجلود الحيتان.

وكذلك رحت في الدهر الحديث أرى صديقي شاعر فلسطين الذي كان أول الثائرين لحرية بلاده وخلوصها من قبل أن يجلو سكانها عنها، ومن قبل أن تعصف بها عواصف الكوارث.

كان إبراهيم طوقان يرحمه الله، باديا في روح شاعر شد نظره إلى مدارات النجوم، وكم كنت أحبه لو عاش إلى هذه الفترة أن يتمنى الحصول على فقدان الوزن في عصر الفضاء، ليخف طيارا مغذا في الأجواء التي لا تنتهي، تاركا هذه بشقاواتها، منطلقا نحو السماء، وطالما كان يقول من وراء الغيب:

يلذ لي يا عين أن تهدئي *** وتشتري الصفو بطيب الكرى

لي رقدة طويلة في غد *** لله ما أعمقها في الثرى

الم تري طير الصبا في يدي *** اخشي مع الغفلة ان ينفرا

طال جناحاه وقد يهتدي *** إلى أعالي دوحه مبكرا

أرى ثلاثين ستعدو بيه *** مغيرة أفراسها باقتراب

وبعد عشر يلتوي عوديه *** وينضب الزيت ويخبو الشهاب

إن لحياة إبراهيم طوقان شطرين واحد في الغزل، والآخر في الحماسة. لقد كان غزلا مدلها مولعا بالجمال يتبعه، كصاحبه القديم ابن أبي ربيعة في العصر الأموي، فهو منذ وجد عملا تدريسيا في الجامعة الامريكية في بيروت علق بفتاة كانت تجيء هنالك مكتبة الجامعة فتغزل بها، وذهب شعره على الأفواه، فتناقله الفتيان والفتيات: كان يقول فيها:

وغريرة في المكتبة *** بجمالها متنقبه

يا ليت حظ كتابها *** لضلوعي المتعذ به

حضنته تقرا ما حوى *** وحنت عليه وما انتبه

سمحت لانملها الجميل *** بريقها كي تقلبه

واستبد به الهوى الطواف فكان مثل نحل يطوف على الأزاهير، فتعلق بغانية كانت ترعاه في مرضه،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٣٩