وإن صح ذلك، فحركة النفس نحو الإله للاتحاد به، هي محاولة الإنسان ليتحول إلى الوجود الإلهي، إلى وجود فكري خالص.
ويمتاز هذا الفكر الإلهي بأنه أسرع الأشياء وأقواها «ولو أمرت فكرك بالذهاب إلى الهند، لوصل إليها بسرعة تفوق أمرك ذاته. ولو أمرته بأن يطير إلى السماء، لطار إليها، ولما عاق طيرانه عائق».
هذا التحول للفكر الإنساني إلى الفكر الإلهي هو التصوف ذاته. وغاية التصوف أن تحل القوة الإلهية محل الفكر الإنساني ومحل الوجود الإنساني.
يشرح الهرامسة هذا التصوف في نص غريب:
«اعمل على أن تصبح أكبر فأكبر، حتى يكون مقدارك لا متناهيا، وذلك بقفزة تحررك من جميع الحدود المكانية والزمنية، واعتبر أن لا شيء متعذر عليك. اعتبر نفسك خالدا وقادرا على فهم كل شيء، كل فن وكل علم، وخاصة كل كائن حي. ارتفع فوق كل علو، وانزل تحت كل عمق. اجمع في نفسك تأثيرات جميع الكائنات: النار والماء، اليابس والرطب. تصور أنك في كل مكان: على الأرض وعلى البحر، وفي السماء؛ لم تولد بعد من بطن أمك، شاب، شيخ، ميت، عائش بعد الموت. ان احتضنت بالفكر جميع هذه الأشياء معا، من أزمنة وأمكنة، وجواهر وكيفيات، ومقادير، استطعت فهم الإله ومعرفته.
أينما سرت جاء الإله للقائك، ومثل أمامك حتى في المكان الذي لا تنتظره فيه، وحتى في اللحظة التي لا تتوقعه عندها، نائما كنت أم مستيقظا، مسافرا على البحر أم على البر، في الليل أم في النهار، متكلما أم صامتا، إذ لا يوجد شيء إلا كان هو».
ويلجأ الهرمسي إلى تقريب هذا الوجود الفكري من أشبه الأشياء به، من الضوء في مصدره وجوهره الأصيل. وهو مدين في ذلك إلى تشبيه أفلاطون للخير بالشمس. ولكن الهرمسي يجاوز التشبيه ويجاوز التقريب، فيعادل بين الفكر والنور، واقفا موقف الأديان المعاصرة: فالإنسان الذي يتحول إلى وجود فكري خالص، يصبح كائنا نورانيا خالصا.
(يتبع)
الرباط ـ الدكتور نجيب بلدي