وطالما ضعفت أعصاب الرضى تحت أشعة العيون المواسية المطلة من وجوه متوردة لبست صاحبتها الأردية البيض فكن كالملائكة، يبعثن البرء في القلوب قبل دواء الأطباء، فتحت هاتيك الهدب السواحر راح صاحبي إبراهيم طوقان يقول:
بيض الحمائم حسبنهه *** إني اردد سجعهنه
في-كل روض فوق ذا *** نية القطوف لهن انه
الحانيات على المريض *** غدون أشباها لهنه
ما الكهرباء وطبها *** بأجل من نظراتهنه
مهلا فعندي فارق *** بين الحمام وينهنه
فلربنا انقطع الحما- *** ئم في الدجى عن شدوهنه
أما جميل المحسنا- *** ت ففي النهار وفي الدجنة
لقد رايته ببيروت في أواخر عهده بالحياة حوالي سنة-1940 - فسألته حاله، فشكا إلى القرحة التي خرجت في معدته، وإنها طالما انتكاث عليه، ولم اعلم أن ذلك اللقاء سيكون الأخير بيننا.
لقد جعلتني بعد غروبه أحاول أن اطلع محياه من عيوبه، فكتبت عنه كتابا كنت أول من ألف في أدبه وشعره بعد موته، وكم كانت أخته الشاعرة الملهمة (فدوى) تنتظر انجازي لذلك الكتاب وقد دفعت إلى بمخطوط ديوانه قبل أن ينشر، وقد نشره أخوها الأستاذ «احمد» بعد صدور كتابي حين بررت لها بالوعد، فتوقعت على صفحاته كاللهيفة العطشي، تبل ظمأ أحزانها على أخيها بمواده الخضلة الخالدة.
كان طوفان شاعر فلسطين المبكر الذي ملا دنيا العرب لوعة على انطفاء شعلة جسمه، سيبقى روحه لماحة ساطعة في سماء الأدب العربي الحديث.
لكان جلاجل حماسته في شعره تطن في سمع الدهر وهو يتداول أذنه الأبدية أنملة كما يقول أبو الطيب:
وترك في الدنيا دويا كأنما *** تداول سمع المرء أنمله العشر
من هذا الشعر المدوي في الحماسة العربية المعاصرة وقد دعا فيه إبراهيم طوقان إلى حماية فلسطين وانبعاث الثورة قوله: يا جناة على البلاد بدعوى الخير والبر لا نعمتم رقادا في غد ينشا الصغار فيبغون تلادا وما تركتم تلادا بعتموه إلى العدو فمن أين يلاقون ملجأ ومهاد انتم اليوم تزرعون فسادا وغدا سوف يثير استعبادا
كذلك يا شاعري، إنني من ضفاف بردي أرسل إليك هذه التحية فانشرها كأزاهير، أجدد بها ذكراك وارد عهدك في الشعر إلى الحب والحماسة، إلى المتنبي الذي جئت مثله بالروح السامية والأمل الكبير، وطرقت مبكرا، وقبل الأوان من غروب العمر، ذلك الرياح الأعظم الذي طرقه ودخل منه قبلك بنحو من ألف عام، وهو باب الخلود.
طوقان، يا شاعري، سلام عليك، انك دخلت التاريخ.
الدكتور زكي المحاسني
دمشق في 22 مارس 1963