لذلك نبلغ الآن المرحلة الثالثة والأخيرة لتطور النزعة العقلية التي انتهت بنشأة «مدرسة الأسكندرية» وتتمثل هذه المرحلة في التعليم الفلسفي والديني الذي نجد صداه العميق فيما عرف بالمجموعة الهرمية.
أول ما يجب قوله عن المجموعة أنها لا ترجع إلى العصر المصري القديم، وأنها ليست من تأليف كهنة مصريين وأنهاـ خارج الأجزاء الخاصة بالتنجيم التي ترجع إلى العصر الفارسي في مصر، وخارج الأجزاء الخاصة بالكيمياء التي ألفها مصريون أثناء العصر البطلمي ـ خارج هذا، فالمجموعة كلها ترجع على النصف الأخير من القرن الميلادي الثاني؛ وان مؤلفيها كانوا إما يونان تمصروا أو مصريين تهلنوا، وهو الأرجح. وكانت هيلنيتهم أقوى من مصريتهم، فقد كان تأليفهم مرتبطا أشد الارتباط بماكان يكتب أو يعلم عن الفلسفة الأفلاطونية في ذلك الوقت، وكان يحاكي التأليف الفلسفي المعاصر في تعظيم الشرق وأنبيائه وأديانه، وأديان فارس والهند بوجه خاص، وفي محاولة الجمع بين هذه الأديان وهؤلاء الأنبياء من ناحية، وبين فلاسفة اليونان ـ أفلاطون وفيثاغورس خاصة ـ من ناحية اخرى.
وكان أسلوب التأليف لتلك المجموعة من علامات العصر أيضا. كان أسلوب الأقوال ....... أي أسلوب التأليف القصير، قد لا يعدو أحيانا بعض جمل، وقد يضم أحيانا أخرى عدة صفحات: أسلوب حكم ومواعظ وإرشاد في الحالة الثانية، ودرس من نوع خاص: يبدأ بمناقشة قصيرة، بين معلم وتلميذ، وينتهي بدعاء الإلاه هرمس ـ طوت، اله الحكمة والتأليف عند قدماء المصريين.
وقد تبين بعض المؤرخين المعاصرين ـ ومن أخصهم بوسيت ....... وفستوجيبر ........ في هذا التأليف، وخاصة في المواضع التي يطول فيها علامات على ان التعليم لم يكن في أساسه بين معلم وفصل مدرسي، أو بين معلم ومدرسة، بل كان بين معلم وتلميذ واحد. وأن ذكر رفيق لهذا التلميذ فلأن التلميذ الأصلي كان غائبا لسبب من الاسباب.
ثم هناك خاصية أخرى لهذا التعليم، تظهر في المرحلة الأخيرة منه، هي اعتماد المعلم على الأساطير كما لو كانت مصدر تفكيره، أو على وحي إلاهي يبدو أنه تلقاه مباشرة أو سمعه من الذين تلقوه. هذه الأسطورة مختلفة كل الاختلاف عن الأساطير التي كان يلجأ إليها أفلاطون في محاوراته، سواء لشرح فكرة غامضة او للتمثيل عليها.
عن اسطورة المعلم الهرمسي كانت موضع قاطع.
لنحاول الآن أن نبين في اختصار فحوى التعليم الهرمسي في المسألة الرئيسية، أي في مسألة معرفة الإله، تعليما موجها كما ذكرنا في المبدأ إلى خلاص النفس.
ابتدأ الهرامسة في هذه المسألة باتباع الموقف الذي اتخذه أفلاطون في محاوراته: وهو أن الإله يعرف عن طريق: طريق التأمل في العالم ونظام، تأملا يؤدي إلى إثبات وجود عقل منظم للعالم؛ وطريق التقشف والزهد، وترويض عن البدن حتى تتم لها معرفة ذاتها، والإله الذي تنتمي إليه.
ولكن هناك مرحلة ثالثة، مرحلة اتصال واتحاد، أشار إليها أفلاطون في غموض، ولعله لم يستطع المضي فيها لنقص في ثقافته ورياضته الدينيتين، وضعف في إيمانه بالوحي الإلهي: هذه المرحلة لا تتم بمجرد الاعتماد على قوى العقل الطبيعية، ولا يقف الإنسان فيها عند معرفة الإله بل يبلغ فيها مرتبة الاتحاد.
وأساس هذه المرحلة أن الإله، كما قال أفلاطون في «الجمهورية» هو الخير، وأن الخير يعرف في تعارضه مع الأجسام. فالخير لا جسمي Asômatos أو هو اللا جسمي To asômaton. والخير خير لأن لا شيء يحده كما هو الحال في الأجسام. أنه اللاجسمي، واللامحدود.
وما اللاجسمي؟ وما اللامحدود؟ ليست معرفة الإله ـ كما توحي به صيغة السؤال ـ معرفة سلبية. ان السؤال السابق معناه: ما الخير الذي كان في جوهره لا جسميا لا محدودا؟ والإجابة هي عندئذ: الخير هو الفكر O nous لا الفكر من حيث هو صفة عارضة لكائن مثل الإنسان لا يتعادل كلية وهذه الصفة ذاتها. الخير هو الفكر من حيث هو وجود، إنه الوجود الفكري.