تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي إلى تأسيس معاهد العلم والفن التي حملت لواء الثقافة العلمية قرنين من الزمن على الأقل. وكانت فتوحات الإسكندر وتنقلاته السريعة ومشروعاته في فتح جديد واكتشاف وطواف، علامات على قلق شديد في نفسه، لم يتوقف عنده إلا بموته، ولم يتوقف انتشاره في العالم المتمدن إلا على نحو مؤقت وتحت تأثير الحروب، وتحت تأثير التنظيم العلمي والسياسي الذي تم بوجه خاص بمدينة الإسكندرية، أثناء العصر البطلمي، وفي تلك المدينة وفي حوض البحر المتوسط بوجه عام أثناء الحكم الروماني. وما إن خمدت روح التنظيم والإنشاء هذه إلا وعاد القلق إلى النفوس، وعاصر ذلك القلق بداية انتشار الدعوات الدينية الشرقية، قديمة أكانت أم جديدة. وبهذا الانتشار وبفضل المرح الذي مهد إليه الإسكندر بين الفلسفات، وبين الحضارات، وبينها وبين الأديان، بين الروح الفلسفية والروح الدينية، تكونت عقلية جديدة أو نزعة جديدة، هي التي نسميها «مدرسة الإسكندرية». فالإسكندر إذن في أساس نشأة هذه العقلية وهذه النزعة، وبالتالي في أساس نشأة مدرسة الإسكندرية ذاتها.

وأحب أن أتابع في اختصار وبمدينة الإسكندرية ذاتها، مظاهر ثلاثة لتطور النزعة العقلية المذكورة، كانت بمثابة مراحل تكوين «مدرسة الإسكندرية» حتى مجيء أفلوطين.

بدأت المرحلة الأولى في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، عندما قرر بطليوس ترجمة أسفار العهد القديم للكتاب المقدس من العبرية إلى اليونانية. فأحضر خصيصا من فلسطين إلى مدينة الإسكندرية سبعين حبرا من أحبار اليهود، قاموا بإنشاء النص السبعيني للكتاب، عاونهم في ذلك بعض رجال الإسكندرية من اليهود المثقفين ثقافة يونانية، وكان ضلع هؤلاء المعاونين كبيرا جدا في إثبات النص في مرحلته النهائية: فهم لم يسهموا في ترجمة «الكتاب» فحسب بل قاموا بتأليف أسفار جديدة باللغة اليونانية، أهمها ما نسب من أسفار «الحكمة» لسليمان النبي. وتضمنت هذه الأسفار معاني جديدة على الكتب العبرية القديمة، معاني مأخوذة من الفلسفة اليونانية، من أفلاطون والرواقيين، ومرتبطة بمسألة العقل الإلهي وعلاقته بالعالم.

وفي هذا دليل على انتشار الفلسفة اليونانية بمدينة الإسكندرية وعلى تعليم هذه الفلسفة بتلك المدينة. فالمساهمون في إنشاء النص السبعيني لم يتعلموا هذه المعاني بمطالعتها في الكتب، بل تعلموها في المدارس الخاصة التي كانت مجاورة لمجامع اليهود وكنائسهم؛ هذا لأن الفلسفة كان نصيبها في المتحف ضعيفا جدا، وكانت تدرس فيه مختلطة بالبلاغة والخطابة، فكانت منظمة في مدارس خاصة أنشئت خارج المتحف، وذلك لمختف جاليات الماينة، ومن بينها الجالية اليهودية. تدرس لمن يريد من أفرادها الفلسفة مع التوراة والشريعة الإسرائيلية.

ويتضح أمر هذه المدارس الفلسفية الخاصة اتضاحا أكبر عندما نبلغ المرحلتين الثانية والثالثة لتطور مدرسة الإسكندرية.

تبدأ المرحلة الثانية في مستهل العصر الميلادي، وتتمثل بنوع خاص في تأليف فيلون اليهودي السكندري الذي توفي حوالي عام 40م. وتأليف فيلون هذا شاهد في نظري على تطور النزعة العقلية التي أشرنا إليها وعلى بداية تكوين مدرسة الإسكندرية، وذلك لأسباب رئيسية ثلاثة: الأول أن تأليفه يشهد على علم غزير لتاريخ الفلسفة اليونانية، علم لابد كان منتشرا في ذلك الوقت بمدينة الإسكندرية، والغالب أن فيلون حصل عليه في نهاية ثقافته المدرسية بدليل اعترافه بأن الفلسفة كانت الغاية التي من أجلها حرص على تلقي العلوم من صغره. والسبب الثاني أن تأليف فيلون هذا يدل على استخدام الفلسفة اليونانية في شرح العهد القديم للكتاب المقدس وأحداثه، وذلك لغاية فهم الكتاب فهما عميقا يهيئ صاحبه ـ باعتراف فيلون ـ إلى المرحلة الأخيرة من المعرفة، وهي مرحلة التصوف أي تأمل الإله والاتحاد به. والسبب الثالث أن في تأليف فيلون شهادة على اتصاله بجماعات من اليهود تألفت فيلون شهادة على اتصاله بجماعات من اليهود تألفت بجوار الإسكندرية وعلى ضفة بحيرة مربوط، مماثلة لتلك الجماعات التي تألفت في فلسطين بجوار البحر الميت. انتظمت هذه الجماعات على هيئة صوامع خصصت لأفراد أرادوا التفرغ للتأمل في الإله. ويشعرنا فيلون بأنه لولا انشغاله بأمور الطائفة الإسرائيلية بمدينة الإسكندرية لكان انضم إلى تلك الجماعات. وفي رأينا أن جماعات «المتأملين» هذه لم تكن قاصرة على اليهود، بل كانت شائعة بمدينة الإسكندرية على هيئة مدارس خاصة هي مدارس الإرشاد والتلقين التي أشرنا إليها في كلامنا عن أمونيوس معلم أفلوطين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٣٦