وصل إذن إلى روما واستقر فيها وأنشأ مدرسته واستمر في تعليمه حتى نهاية حياته تقريبا، عندما اشتدت عليه أمراض معوية لازمته منذ مدة، فأقعدته إلى الفراش دون أن تعوق تفكيره حتى النهاية.
هذه هي الأحداث الرئيسية لحياة أفلوطين، يمكن تقسيمها إلى مراحل ثلاث، لكل منها علاقة بفلسفته، سواء أكان ذلك بمحتواها أو بجوها الروحي: مصرية صعيدية، هي مرحلة نشأة الرجل، كان لها بدون شك أثر عميق في عقليته وشخصيته، وإن كانت معلوماتنا عنها قليلة جدا، اكتفينا منها بإشارة سابقة سنأتي إلى معناها في نهاية كلامنا.
ثم مرحلة إسكندرية بدأت بعلاقاته بأمونيوس، وانتهت بتركه المدينة إلى الشرق الآسيوي ثم إلى روما. هذه المرحلة كانت حاسمة في تكوين ثقافته، ونشأة نظرياته الفلسفية، وخاصة في العالم المعقول.
ثم مرحلة رومانية ارتبطت بتأسيس المدرسة وتأليف «التساعات»، وبالصورة النهائية التي اتخذتها فلسفته، لاسيما نظريته في الإله.
ولاشك في أن انطلاق فلسفته بدأ في المرحلة الإسكندرانية، وكان متصلا أشد الاتصال بتعليم أمونيوس الأفلاطوني بالإسكندرية.
من الصعب التكلم عن أمونيوس هذا وعن التعليم الذي ناله أفلوطين على يده. والأغلب أنه كان مصريا مثل أفلوطين، وأن دروسه كانت في محاورات أفلاطون وطريقة مطالعتها وفهمها، ولعله كان أول من علم طريقة دراسة النص الفلسفي، أي بمقارنته بنصوص الفيلسوف الأخرى. والأمر المؤكد في علاقة أفلوطين به هو هذا القسم الذي أخذه هو وزملاؤه على أنفسهم، ألا يذيعوا شيئا من تعاليم معلمهم.
في هذا القسم إشارة إلى نوع تلك التعاليم ودلالة أولى على اتصال أفلوطين بمدرسة الإسكندرية: فيه ما يدل على أن تعليم الأفلاطونية بالإسكندرية كان يحمل أسرارا لا تكشف إلا للخاصة .. فالمدرسة الأفلاطونية كانت بأثينا مفتوحة للجميع، وتعاليمها معروفة علنية، أما التعليم السري، فهو خاص بالإسكندرية، وخاص بذلك العهد من الإسكندرية. لم يكن تعليما بالمعنى المفهوم، بل كان إرشادا وتلقينا Initiation. لذلك وجب اعتبار امونيوس مرشدا، ملقنا لتلاميذه، وهؤلاء مريدين له.
أما وان كنا لا نعرف شيئا عن طبيعة الإرشاد الذي تلقاه أفلوطين من معلمه، فإننا نعرف قيام تعليم اسكندراني آخر، كان هو أيضا إرشادا وتلقينا، وكان معاصرا لتعليم امونيوس، وهو التعليم الذي نجد في المجموعة الهرمسية Corpus hermelicum تعبيرا واضحا عنه. وهذا التعليم، إذ كان أوضح أثر لما يمكن تسميته في عصر افلوطين «مدرسة الإسكندرية»، هو المدخل لدراستنا للعلاقة بين افلوطين ومدرسة الإسكندرية.
حتى الوقت الذي شرع فيه أفلوطين تعلم الفلسفة الأفلاطونية على أمونيوس السقاء لم يكن هناك وجود فعلي لمدرسة الإسكندرية، أي لمدرسة فلسفية تشابه بوجه من الوجوه مدارس أثينا الفلسفية التي كان لكل منها معلم واحد، وتعاليم واحدة. لهذا السبب، يجب أن تطلق العبارة «مدرسة الإسكندرية» على نزعة فلسفية ظهرت بوادرها بمدينة الإسكندرية منذ أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، نزعة اتجهت إلى تجديد فلسفة أفلاطون بوجه عام، وإحياء نظرياته في معرفة الإله، وتوجيه تلك النظريات توجيها دينيا بوجه خاص.
نشأت هذه النزعة، وتطورت، وتجسمت، إذا صح القول، تحت تأثير عوامل أغلبها غير فلسفي، بعضها ديني، وبعضها الآخر والأهم سياسي.
وكان الإسكندر الفاتح من أهم العوامل المؤثرة: فقد أدت فتوحاته إلى انتشار الثقافة اليونانية بين الشمال والجنوب، وبين الغرب والشرق، وإلى بداية امتزاج هذه الثقافة بالثقافات الشرقية. ـ ثم أدت أعماله السياسية وتصرفاته الدينية المرتبطة ارتباطا وثيقا بتلك الأعمال إلى تحول الفلسفة بعد أفلاطون وأرسطو إلى الرواقية. وكانت الرواقية متهيئة بطبيعة نشأتها هذه إلى شيوع ورواج خارج بلاد اليونان، ومتهيئة أيضا لأن تحمل الفلسفات اليونانية السابقة، وتدمجها في فلسفة واحدة. ـ وكان الإسكندر أخيرا مؤسس مدينة الإسكندرية التي تم بناؤها على يد البطالة، فهيأ بذلك إلى تأسيس متحف الإسكندرية ومكتباتها،