كلها وروما التي توفى فيها أفلوطين، وكانت الوثنية فيها على وشك الاحتضار، والمسيحية على وشك الانتصار.
تغافل غريب أغرب ما فيه، أنه لم يمنع المؤرخين من ربط أفلوطين بالاسكندرية، ومن اعتباره فيلسوف المدينة، وزعيم مدرستها، بالرغم من أن الرجل قد ترك المدينة، وهو في مقتبل العمر، لم ينشئ فيها مدرسة، ولم ينشر كتابا. تركها إلى روما، حيث استقر حتى وفاته في سن الخامسة والستين، بعد إنشاء مدرسة، وإعطاء تعاليم، كان من ثمراتها كتاب «التساعات» الذي جمعه فورفيريوس، مترجم حياته.
تغافل غريب. وتغافل مزدوج. فالمؤرخون بعدما أهملوا دراسة الزمن والأحداث بين أفلوطين المصري والاسكندراني وبين أفلوطين الروماني، بين تفكير أفلوطين أثناء إقامته في البلاد التي ولد فيها ونشأ وتعلم الفلسفة، وتفكيره عندما استقر في المدينة التي أسس فيها مدرسته، وأعطى تعاليمه، وكتب أو أملى أو ألهم «تساعاته» الشهيرة.
وهذا التغافل في دراسة مصادر الفكر الأفلوطيني وتاريخ هذا الفكر، هو الذي دعاني إلى البحث في معنى مدرسة الإسكندرية، ومبلغ دين أفلوطين إليها، ومعنى خروجه منها.
ولد أفلوطين في عام 205م، بمدينة ليكوبوليس الواقعة بالقرب من مدينة اخميم الحالية بصعيد مصر. وإننا لا نعرف إلا القليل عن حياته بمصر قبل إقامته بمدينة الإسكندرية. حادث وحيد يقصه علينا فورفيريوس، مترجم حياته: أنه حتى سن الثامنة، أي حتى الوقت الذي بدأ يذهب فيه إلى المدرسة، كان يكشف عن صدر مرضعته ويرضع من ثديها. وعندما له أن هذا فعل طفل سيء الخلف، خجل خجلا شديدا، ورجع عن الفعل رجوعا نهائيا. والفطام المفاجئ والمتأخر حتى هذا السن قد يؤدي إلى نوع من العصاب، لا يصعب إيجاد القرائن عليه في حياة أفلوطين أو في «تساعاته»: منها عدم إشارته على الإطلاق إلى أهله وذويه، ومنها تركه المفاجئ لمدينة الإسكندرية، وقيامه برحلة إلى آسيا الصغرى قد كان من الممكن أن يموت أثناءها، ومنها إلحاحه المستمر في ضرورة الهروب من العالم، ومنها أخيرا إهماله البالغ لعلاج جسمه، ورفضه اتباع إرشادات الطبيب له في ذلك، حتى أصبحت رائحته كريهة وتفشت على وجهه وذراعيه علامات مرض جلدي خبيث، منع أصدقاءه من معانقته عند زيارتهم له، ثم منعهم من زيارته في نهاية حياته.
ولا نعرف بالضبط في أي وقت أتى إلى الإسكندرية. ومن المحتمل جدا أنه عاش فيها مدة ما قبل التقائه بمعلمه أموبوس، عندما بلغ الثامنة والعشرين، وتخصصه على هذه المعلم، تخصصا نهائيا في الفلسفة الأفلاطونية. والأغلب أنه اختلف قبل ذلك على مدارس الإسكندرية، كانت تعلم فيها الفلسفة، ممتزجة بالبلاغة والخطابة، وانه لم يرض عن تلك الدراسة. ففاتح في ذلك صديقا له نصحه بتعلم الفلسفة على امونيوس. وعندما التقى أفلوطين بهذا الأخير، اعترف لصديقه بأنه قد وجد الرجل الذي كان يبحث عنه.
ولا نعرف شيئا عن حياته بالإسكندرية سوى اتصالا دام عشر سنوات كاملة بينه وبين معلمه، وعدا بعض اتصالات أخرى بأصدقاء جاءوا فيما بعد لزيارته بروما، عندما استقر فيها.
ولما بلغ التاسعة والثلاثين، فاجأ أصدقاءه بعزمه على ترك الإسكندرية، واقتفاء آثار الإمبراطور جوريديان الذي كان قد بدأ يهاجم في ذلك الوقت جيوش فارس في آسيا الصغرى، بغية استرجاع هذا الجزء من الدولة الرومانية، ثم القضاء على دولة فارس في فارس والهند.
علل فورفيريوس هذا القرار المفاجئ برغبة الفيلسوف تعلم فلسفات فارس والهند. وإننا لا نجد هذا التعليل مقنعا، لأن أفلوطين لم يقم بآسيا أكثر من أشهر ثلاثة، ولم يجاوز في إقامته هذه حدود آسيا الصغرى: ترك بلاد الشرق كلها بعد فشل جورديات في مهمته وقتله بمكيدة رومانية، واتجه مباشرة إلى روما، ليستقر فيها، وهذا علامة على أن الدافع لرحلته إلى الشرق قد زال بوفاة جورديان. أما قرار إقامته بروما، فلا يمكن تفسيره بغض النظر عن قراره الأول ترك الإسكندرية واقتفاء آثار جورديان، فالقراران مرتبطان فيما بينهما، والدافع إليها واحد، وسنأتي إليه عند عرض نشأة فلسفته.