وكان الطلبة يقيمون في إحدى المدارس الأربع عشرة ويتقاضون خبزة في اليوم وجرت العادة أن يشتري الطالب غرفته في المدرسة له أن يبيع المفتاح عند انتهاء مدة الدروس، ولاحظ ابن مرزوق أن إنشاء المدارس كان في المغرب غير معروف حتى أنشئت مدرسة الحلفائيين بفاس هي الصفارين المؤسسة عام 670ه ثم أنشأ أبو سعيد مدرسة العطارين، والبيضاء والصهريج والوادي والمصباحية ويظهر أن المقصود عند ابن مرزوق هو انتشار المدارس، وإلا فقد ذكر عبد السلام القادري في (الاخوان في شرفاء وزان) أن يوسف بن تاشفين أسس مدرسة الصابرين بفاس.
التعليم في العهد المريني:
لقد جمد أسلوب التعليم في أول العصر المريني وأصبح كما عبر عنه ابن خلدون بقوله L( وقد انقطع لهذا العهد تخريج شيء من الأحاديث واستدراكها على المتقدمين، وإنما تصرف العناية لهذا العهد 'لى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبها بالرواية عن مصنيفها.
وخمدت الحركة الفكرية الحرة التي بثها الموحدين ولم تبقى منها إلا بقايا ضئيلة محفوظة عند بعض العلماء المبثوثين في عدة مدن هم الذين تسلل فيهم النبوغ المغربي، كالحضرمي، وابن خلدون، وابن الخطيب وغيرهم، على أنهم بلغوا القمة في الشروح والحواشي الفقهية، وكان من نبغاء علماء الإسلام في العصر العبدوسي، وابن الصباغ الذي أملي في الحديث أربعمائة فائدة، وصرف العلماء همتهم في هذا العصر إلى التلخيصات والاختصار، وقد وفقوا في بعضها ولم يوفقوا في بعضها الآخر، ولعل من أهم المحاولات ما كتبه ابن آجروم ذلك المختصر الصغير لدراسة النحو العربي الذي كان يعتبر تجربة للتبسيط والاختصار والأخذ بمختلف المذاهب النحوية، فلم يتقيد بمدرسة البصرة أو الكوفة، فهو يرى الأعراب معنويا على عادة الكوفيين، وقسمه إلى أربعة أقسام، منها الجزم على طريقة البصريين ولم يذكر في التوابع عطف البدل .. الخ ملاحظته.
على أن أهم عام نبغ فيه المغاربة هو علم القرآت فقد اشتغلوا به أتقنوه ويقول عنه الدكتور عبد العزيز الاهواني في مجلة (معهد المخطوطات العربية، المجلة الأولى الجزء الأول) بأن هذا هو الميدان الوحيد الذي يسيطر عليه المغاربة سيطرة تامة. ولعل عنايتهم بالفقه فاقت العناية بأي علم آخر، وأصبح مختصر الخليل هو المدونة الجديدة التي يعذب الكلام في حل رموزه، وقد أدخل مختصر خليل فاس ابن اسحاق الملكي المتوفى سنة 767ه. والفقيه محمد ابن المفتوح التلمساني المتوفى سنة 818 بمكناس، حيث كتب عليه عشرات الشروح والحواشي والتعليقات واستنبطت منه الفتاوي والأحكام كما يبدو في تأليف هذا العصر، رغم أن الثقافة المغربية الإسلامية اجتازت عدة قرون فلا نجد محاولات في تغيير الأساليب والمناهج إلا ما يلاحظ من شدة الإقبال على العلم ونشاط بعض فروع المعرفة، ولدينا وثيقة مهمة جدا عن سير الدراسة وبرامج التعليم ومناهجه في القرويين على عهد الوطاسيين، وهي (الرسالة المجازة في معرفة الإجازة) التي ألفها الصوفي المغربي الكبير أبو الحسن علي بن ميمون المولود (سنة 854. درس بفاس سنة 887)، ويظهر من هذه الرسالة أن العلوم الشائعة في هذا العهد هي الفقه المالكي والحديث والتفسير والنحو والفرائض والحساب والتوقيت والتعديل والتوحيد والمنطق والبيان والطب وباقي العلوم العقلية، وأن الدراسة كانت تعتمد على حفظ النصوص ولا يقدرون من الطلبة والأساتذة من لا يحفظ النصوص، وكان شعارهم (من لا يحفظ نص فهو لص)، ويروي مؤلف السلوة عن الرسالة التي اقتطف شذرات منها في السلوة بأن مؤلفها ابن ميمون جال في تلمسان وبجاية والشام وتونس والحجاز ومصر، فلم يرى في علماء هذه المدن وأشياخها من يصل إلى درجة علماء (مدينة فاس) ويستفاد من هذه الرسالة بأن التلميذ قبل الدخول إلى القرويين كان لا بد أن يكون حافظا للقرآن والرسم والتجويد وحفظ المصنفات والمنظمات، وفي ذلك منظومة في الفرائض والحساب ورسالة ابن زيد القيرواني.
وكان الشروع في الدراسة يبتدئ في الفجر إلى ما بعد العشاء، ويذكر أن ابن ميمون أنه كان يشرع في وقت مبكر ولا يستطيع العودة إلى المدرسة لتناول الغذاء بل لا يتناول إلا وجبة العشاء فقط، وكان الأسلوب المتبع في درس الحديث هو النقل الغزير و دراسة الرواة وأنسابهم مع ضبط المتن لغويا ونحويا وفقهيا، واشتهر كتاب الجز ولي على الرسالة في الفقه، أما المدونة فكانت تدرس بالنقل الكثير من كلام مشايخ المدونة من أولهم إلى آخرهم، وكان النحو يدرس بالمدخل للإمام الجز ولي المصمودي، والفية ابن مالك، وقبل وقت العصر كان الطلاب ينصرفون عادة