تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم نستطع أن نجد للمعتمد كلمة سجلها في مقامه بمكناسة، لا مدحا، ولا ذما، ولا شعرا، ولا نثرا، بل لم نعثر له على أي اتصال بينه وبين أهلها .. وقد نامت عين التاريخ هذه المرة عن مقام المعتمد في مكناسة، وعن الطريق التي سلكها من الشمال إلى الجنوب، ولم تستيقظ إلا والمعتمد يرسف في قيوده بأغمات. (*)

المعتمد في أغمات

بوصول المعتمد إلى أغمات تبدأ حياة الأسر الحقيقية، ويلقي التاريخ أضواءه على كثير من الأحداث، ويتهافت المؤرخون على تسجيل كثير منها على اختلاف مشاربهم ... كما تثير توابع الأسر من نفي وسجن وقيد مشاعر المعتمد ومشاعر الشعراء الذين عاشوا حينا من الدهر على نعمته ..

وشعر المعتمد في هذه الحقبة من حياته شعر القلب المكلوم المفجوع، والجد العاثر، والجناح الكسير ... غير أن ذلك لم يكن ليفقده عزة النفس وعلو الهمة ...

فقد ناجى قيده مرة بقوله:

غنتك أغماتيه الألحان *** تقلب على الأرواح والأبدان

قد كان كالثعبان رمحك في الوغى *** فغدا عليك القيد كالثعبان

متمددا بحذاك كل تمدد *** متعطفا لا رحمة للعاني

قلبي إلى الرحمن يشكو بثه *** ما خاب من يشكو إلى الرحمن

ومرة بقوله:

قيدي أما تعلمني مسلما *** أبيت أن تشفق أو ترحما

دمى شراب لك واللحم قد *** أكلته لا تهشم الأعظما

يبصرني فيك أبو هاشم *** فينثني القلب وقد هشما

ويظهر أن السنوات التي قضاها المعتمد في أغمات لم تكن على وتيرة واحدة، فتارة نجده سجينا يرسف في قيده، وتارة نجده طليقا يخالط الناس ويجالس الزائرين وينظم الشعر ويراسل الأصدقاء.

والفرق واضح بين المعاملة التي عومل بها الأمير عبد الله صاحب المذكرات من اللين والتغاضي ... والمعاملة التي عومل بها المعتمد، ولعل قيام ابنه عبد الجبار بثورة على المرابطين في الأندلس كان في مقدمة الأسباب التي جعلتهم يشددون الخناق عليه ...

وقد سجل المعتمد هذه الثورة في قصيدته:

كذا يهلك السيف في جفنه *** إلى هز كفى طويل الحنين

وفيها يتمنى أن لو كان بإمكانه أن يخوض المعارك ويباشر نزال خصومه ...

وفي أغمات وصلته قصيدة من بنته بثينة التي فقدت يوم حوصر قصره في إشبيلية ... وكان مصيرها أن بيعت في سوق الرقيق على أنها سبية ... ولكنها امتنعت على مالكها ... وأبت أن تمكن نفسها منه إلا بزواج شرعي يرتضيه أبوها المعتمد ويوافق عليه ...

فأجابها المعتمد بأبيات يوافق على هذا الزواج ويقول:

بثينتي كوني به برة *** قد قضى الدهر بإسعافه

ولم يودع راجفة ببثينة، حتى استقبل رادفة زوجته "اعتماد" الرمكية، وكانت صبابة ما أنفت له الأيام من المسليات، ودفنت إلى جوار محبسه ... فصار يستعجل الأيام، ويحث خطاها، ليأخذ مضجعه في التراب بإزائها، وقد أسعفه الدهر بهذه الأمنية فنام قرير العين بها.

أولاد المعتمد في الأسر

كان للمعتمد عدد وافر من البنات والبنين، نعرف منهم الأمراء الأربعة الذين قتلوا قبل وصوله

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٢٥