"رعي الجمال خير من رعي الخنازير ... "!
وعلى كل فسيظل السؤال مطروحا في انتظار ظفرنا بنصوص معاصرة تجعلنا نطمئن كل الاطمئنان ..
والمصدر المعاصر الذي بين أيدينا الآن هو مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة، وقد كتبها في منفاه بأغمات وهي لا تشير إلا إلى الرسائل والسفارات، ولا تعرج على جواز المعتمد إلى المغرب.
قرار يوسف بن تاشفين
كان ابن تاشفين ومساعدوه الأقربون من قواد ووزراء ورجال القضاء والفتوى الشرعية لا تعوزهم المبررات المادية والدينية، وقد عالجوا القضية الأندلسية طيلة سنوات وخاضوا عدة معارك لصد التيار الصليبي ... كما كان ابن تاشفين لا تعوزه المبررات السياسية لتصفية نظام ملوك الطوائف على أساس يضمن لما بقي في يد المسلمين من المدن والقرى والحصون حياة الاستقرار والأمن والعدل والوحدة ولو إلى حين ... ! فاتخذ قراره الخطير ونفذه بنفسه فيما يرجع لبني زيري ملوك غرناطة إذ ذاك، ومالقة ..
وأرسل كلا من تميم بن بلقين أمير مالقة ... وأخيه عبد الله أمير غرناطة إلى المغرب ... أما فيما يرجع لبني عباد في إشبيلية وقرطبة وبني الأفطس وغيرهما فقد عهد به إلى قائديه: سير بن أبى بكر وابن الحاج ...
ولم يقع المعتمد بن عباد في قبضة القواد المرابطين إلا بعد معارك طاحنة سالت فيها الدماء وتراكمت الأشلاء وأملي فيها أمير إشبيلية وأبناؤه المدافعون عن قرطبة وغيرها على خصوصهم دروسا من البطولة والفروسية ما نزال نجد روعتها وقد فصلتها عنا أحقاب من السنين.
وقد كان من سوء طالع المعتمد أن يقع أسيرا في قبضة قواد يوسف لا في قبضة يد يوسف نفسها ...
المعتمد في طنجة
كانت طنجة هي المرحلة الأولى في طريق المعتمد إلى منفاه السحيق في أغمات بعد أن تجرع مرارة الثكل في أبنائه الأربعة الذين سقطوا دفاعا عن حوزتهم .. !
وفي طنجة يمكث أياما لا ندري عددها بالضبط ولكنها أيام سمحت له بالاتصال بشعرائها الذين تهافتوا عليه كما كانوا يتهافتون على بلاطة في اشبيلية ..
ولم نعرف من هؤلاء الشعراء إلا أبا الحسن بن عبد الغني الفهري المعروف بالحصري الضرير، وكان شاعرا مطبوعا، هاجر من وطنه القيروان إلى الأندلس واتصل بملوك الطوائف ونال جوائزهم، وقد دخل على المعتمد بعد موت أبيه المعتضد فأنشده ارتجالا:
مات عباد ولكن بقي الفرع الكريم
فكأن الميت حي غير أن "الضاد" ميم
ثم استوطن طنجة، ومنها كان يبعث بأشعاره إلى إلى المعتمد ... وقد حدثنا ابن خلكان (*) في الوفيات أنه بعث غلامه إلى المعتمد في إشبيلية، فأبطا عنه وبلغه أن المعتمد لم يحتفل به فقال:
نبه الركب الهجوعا ولم الدهر الفجوعا .. !!
حمص الجنة قالت لغلامي لا رجوعا .. !!
رحم الله غلامي مات في الجنة جوعا .. !!
وهو صاحب القصيدة الشهيرة التي عارضها كثير من فحول الشعراء في القديم والحديث:
يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده
وقد كانت للحصري دالة على المعتمد، وله في دولته عدة قصائد ومقطعات، وقد ألف له كتاب (المستحسن من الأشعار)
ويشاء القدر ألا يتمكن الحصري من رفعه للمعتمد إلا وهو أسير في طنجة ... فيأخذ الكتاب ويثيب صاحبه بصلة هزيلة ... هي كل ما يملك الأمير الأسير ... مع قطعة شعرية للاعتذار ..
ولكن الحصري لم يجب المعتمد كما يقتضي الوفاء، بل وأدب اللياقة .. فكتب له المعتمد هذه الأبيات يلومه:
* ج 3 ص 20