تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان يعتبر معاوية كمجتهد مخطئ, وأوضح فكرته هده في كتابه " المفاصلة بين الصحابة"

4 - الخوارج وما يشغلهم من مسائل كالإيمان هل يزيد أو ينقص وما موقف الإسلام من تارك الصلاة أو مرتكب الكبائر وتحديد الأمة هل يعتبر من دار الكفر أو الإيمان من لم يتبع الخوارج. ويعتبر ابن حزم أهل السنة أهل الحق إذ الفرق الأخرى هم أهل البدع لكن لا يمنعه هذا من الرد على الاشاعرة بالأخص وان انتسبوا إلى أهل السنة و الجماعة.

وعلى تقيد ما شاهدناه في ابن حزم الأدب الشاعر من رقة العواطف و نبل الشعور و رهافة النفس فانه يظهر في مصنفاته العلمية بمظهر المجادلة العنيف الذي لا يقبل مهاودة ولا مسامحة في الأفكار. فتأليفه مثلا " الملل والأهواء و النخل" مرآة لتلك الحلقات التي كان يناظر فيها بعض الفقهاء المسلمين كابي الوليد الباجي وحتى بعض أحبار اليهود و النصارى. فأسلوبه هنا عنيف جدا غير هادئ ويظهر من هذا انه كان مع الأسف ضيق النفس و حاد المزاج يناقش خصومه بعبارات ممزوجة بالسب والقذف لا تليق بمقامه وعلمه فانه لم يعمل بقوله تعالى" وجادلهم بالتي هي أحسن " وقوله " ادفع بالتي هي أحسن فادا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم."

فلقد كان بوده أن يدافع عن أفكاره بطرق تليق به ويقنع مخالفيه بدل أن ينفرهم منه ويؤلبهم عليه. فالصراحة لا تتنافى نضرنا مع اللياقة وفرض الرأي بالعنف والقوة وشدة اللهجة بل السب هو وسيلة الضعفاء الذين لا يستطيعون الإدلاء بالحجج القاطعة. وحاشا مع هذا أن يكون مع ابن حزم من أولئك الذين تنقصهم الحجة ولا يعرفون طرق الجدال لكن ذلك راجع إلى مزاجه وابتلائه بماسيه "داء الصراحة" و الطبيعة تغلب على التطبع. وقد لحق ابن حزم- كما اشرنا إلى ذلك - اضطهادات وتألب المخالفين و العناد عليه طوال حياته وبعد مماته من جراء قساوة لهجته و عنفه. فقد ساهم بنفسه طرف من نكباته و ليست صفة العبقري التي اتصف بها هذا الكاتب العظيم هي التي جعلته غير مفهوم من عمره. فالكمال لله وكفى المرء نبلا أن تعد مصائبه.

وجانب من جوانب إنتاج هذا الكتاب العبقري تكفي لتكفر عنه بقية هفواته. ومما يشرفه أن يعتبر أول مؤرخ للأفكار الدينية في كتابه "الفصل" الذي يمتاز به عن من سبقه بطريقته العلمية في التبويب و الاستنباط وهي طريقة البحث العلمي المعمول بها في يومنا هذا وقد شرح ذلك الأستاذ الشهير Asin-Palacios في مقدمة ترجمته "للفصل" واستعرض مناقشة ابن حزم لليهودية و كتبها خصوصا التوراة و البراهين العقلية التاريخية التي أوردها لينكر صحة هذه ويبين تحريفها.

وابرز أن حزم يناقش كذلك العقائد الإنجيلية المسيحية بجميع الحجج و المناقضات التي أوردها فيها بعد أبحاث القرن التأمن عشر أمثال فولتر. وبدراسته للنصوص دراسة علمية نقدية تاريخية فهو معلم "رونان" ولم يكن تأثيره مقتصر على دراسات الأديان وعلم مقارناتها بل اغرب من هذا فلا يبعد أن يكون ابن حزم قد اثر في الديانة المسيحية كديانة بطرق غير مباشرة. فقد يلاحظ الأستاذ أمين بلاسيوس أن ابن حازم استعمل مدهبه الظاهري كذلك في تفسير الإنجيل كما فعل في الإسلام فكان يستنكر تأويل رجال الكنيسة ويخشى أن يكوموا خاطئين في تأويلاتهم هذه. فكانت النتيجة ذلك القول بالرجوع إلى النصوص. وترك التأويلات والعمل بالاجتهاد الشخصي. وهذا ما جاءت به مدرسة الإصلاح المسيحي البرتستانية

وشخصيته كانت تحمل مثل أفكار ابن حزم و أثرت حتى في الديانات الأخرى فمن باب أولى و أخرى أن تأثر في دينها كذلك تأثيرا بالغا وتبعت فيه تيارات جديدة. فحركة الإصلاح في الإسلام هي مدينة لامور كثيرة لابن حزم. منها استنكاره للتقليد وإدخاله الطرق العلمية العقلية في دراسة الاديان. فله فضل كبير على أباء حركة التجديد و الإصلاح في الإسلام التي تقول بالرجوع إلى النصوص وبالاجتهاد خصوصا منهم ابن تيمية العتبلي وعبد الوهاب ومن تلاهم من بعد كالافغاني و الشيخ عبده ورشيد رضا.

فقد كان ابن حزم يمثل أهل التوحيد الذين حاربوا التوسل بالأولياء ومذاهب الصوفية لما فيها من انزلاقات و خرافات ولذا يعتبر ابن حازم أبا للحركة السلفية.

فكاتب جمع بين الأدب و العلم بما فيه السماعي و العقلي وكان لإنتاجه هذا الصدى الكبير اثر في الأجيال التي تلته ولا زال تأثيره يسري و يعمل ولا أدل على ذلك من حركة التجديد و الإصلاح الإسلامية التي ظهرت في أول هذا القرن والطرق العلمية لدراسة النصوص الدينية دراسة نقدية. كان لا بد أن يتصف ويجد من يعترف له بأصالة فكره ومتعة اطلاعه ويجعله في المقام الذي يليق به رغم ما عرف به من عنف الجدال وضيق الصدر الذي ينفر منه الناس و يؤبلهم عليه.

فالمؤرخ الشهير و الفقيه الجليل الذهبي يشهد بان "ابن حزم رجل من العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة." و ابن تيمية كثيرا ما يعتمد عليه و يستشهد به ولم يتوقف صيت ابن حزم في القرون الخالية بل استمر مفعوله حتى قرننا هذا حيث أصبح موضع دراسات وأبحاث من طرف عظماء المؤرخين و الكتاب الشرقيين منهم والغربيين وقد يطول ذكر أسمائهم أن نحن أردنا أن نتعرض إليهم كلهم و هذا ما يمنح ابن حزم صبغة عالمية فيحتل المكانة اللائقة به بين عباقرة وعظماء الإنسانية.

الرباط- فتحي النجاري

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٢١