وقد بلغ مناه بانصرافه الكامل للعلم المنقول والمعقول الشائع في عمره، فأبو مروان بن حيان يقول فيه: «كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدال ونسب وما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من أنواع التعليم القديم من المنطق والفلسفة" والذهبي يشهد بدوره أن: "ابن حزم رجل من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة" قطعه الحاد وصراحته التي لا تعرف حدودا، ومعارضته لخالفيه أشد الاعتراض تلك هي ميزته وظاهرة من مزاجه جعلته يناظر ويجادل بأبلغ العبارات وأشدها ولا يقبل مهاودة ممن لا يشاطره رأيه كما يتجلى ذلك في كتبه الذهبية والفقهية التي يروي فيها جدالة ككتابيه "الملل والأهواء والنحل" و "المحلى".
مصنفاته:
ورجل كابن حزم الذي امتاز بفكر عميق ومعرفة واسعة صرف كل همه للعلم ونشره، لا غرابة أن يصنف الكتب الكثيرة المتعددة المواضع وأكثرها في الفلسفة والمنطق والكلام والشريعة والحديث والأدب. ومن المؤسف جدا أننا لم تتوصل إلا بالقليل من تلك الكتب التي كانت على ما يزعمه مترجمو ابن حزم نحو الأربعمائة. وفقدانها راجع إلى أمرين: صراحة ابن حزم وجدالة العنيف، وعدم تسامح الحكام والعنصرية المذهبية الملكية السائدة حينئذ في الأندلس والتي أدت بابن عباد تحت ضغط الحساد والفقهاء إلى إحراق كتب ابن حزم باشبيلية. وقد تعرض ابن حزم لذلك بقوله:
قال تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي *** نضمنه القرطاس بل هو في صدري
يبر معي حيث استقات ركائبي *** وينزل إذ أنزل ويدهن في قري
دهعوني من إحراق رق وكاعد *** وقولوا يعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة *** فكم دون ما تبعون لله من ستر
وستقصر على ذكر البعض من كتبه التي وصلت إلينا حتى لا يقع ملل من جراء أسمائها كلها فنذكر على الخصوص:
- إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد
- الأحكام في أصول الأحكام
- الأخلاق والسير
- أخلاق والسير
- أخلاق النفس
- أسماء الله الحسنى
- الأصول والفروع
- إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقص ما بايديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل
- الأمانة والسياسة.
- البيان عن حقيقة الإيمان
- التقرير لحدود المنطق
- جمهرة الأنساب
- شرح أحاديث الموطأ والكلام على مسائله
- الصادع في الرد على من قال بالتقيد.
- طوق الحمامة
- افصل في الملل والأهواء والنحل
- رسالة في المفاضلة بين الصحابة
- كشف الالتباس لما بين الظاهرية وأصحاب القياس
- المحلي في شرح المحلي
- مداواة النفوس وتهذيب االأخلاق والزهد في الرذائل
- الناسخ والمنسوخ
- نقط العروس
- نكت الإسلام
ومن خلال مصنفاته التي وصلت إلينا بتبين أن ابن حزم جمع بين العلم والأدب والشعر والأصول والفقه والتاريخ والفلسفة والكلام والجدال لذلك رأينا لزاما أن نشير ولو بإيجاز إلى هذين الظهرين الذين قلبا عليه فهو شاعر أديب ذو لوعة صادقة وعاطفة ناطقة وشعور رقيق، وفي نفس الوقت أمام كبير ومجادل فقيه يدافع عن آرائه بكل ما أوتي من صراحة وقوة.
ابن حزم شاعر أديب:
وقد كان لمؤلفاته هذه تأثير عميق على جانبه الآخر الفقهي والفلسفي عند سواد الناس.
فاسم ابن حزم مقرون عند العوام وسواد الناس بكتابه "طوق الحمامة" وذلك لما فيه من عاطفة صادقة ودقة الوصف وسحر البلاغة.
ولا غرابة في هذا فإن الظاهرة الغير الجدية والكتابة الحقيقة هي التي تطغي على الكتاب الكبار. فالجاحظ مثلا معروف بنكته عند العوام أكثر مما هو معروف يتآلفه الجدية. أضف إلى هذا أننا نجد في هذا الكتاب مرآة واضحة عن نفسية ابن حزم ومجتمعه فنشاطره أفراحه وأحزانه وحبه رغم مر القرون. والذي يزيده تقديرا هو أنه لم يكتسب قط بثغره فإنه كان يقول الثغر لارضاء نفسه مترجما عن آلامه وأحزانه ومسراته وحبه فيضفي فيه شعوره وعواطفه الصادقة