تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نفس السنة وعاد ابن حرم إلى الوزارة من جديد أيام هشام المعتمد فيما بين سنة 418 - 422 وتنتهي هنا حياته الوزارية التي سيتركها نهائيا ليصرف كل جهوده فيلا الألم والتصنيف والجدل وبت دعوته في الذهب الظاهري والدفاع عن آرائه.

وقد تسبب لابن حزم من أجل تشييعه للأمويين نكات حيث انقرضت دولتهم وقامت دولة العلويين الطالبيين وابن جهور خصوصا، وامتاز ابن حزم بصراحة متناهية ورباطة جاش جعلناه لا يتراجع في الحق ولا يقبل مهاوده فيه، ولا يتخذ بل المصانعة أو الرياء أو ما تسميه بالسياسية والمداراة. وقال يضاف تلك النكبات التي خلت بقرطبة واعتقاله وتغريبه: " ثم ثغلبا بعد قيام أمير المومنين هشام المريد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والتعريب والإغرام الفادح والاستبشار وار زمت الفتنى والفئة والقت باعها، وعمت الناس وخصتنا إلى أن توفي أب ى الوزير رحمه الله ونحن في هذه الأحوال، بعد العصر يوم السبت ليلتين بقيتا من دي القعدة عام 402 هـ واتصلت بنا تلك الحال بعده ... ثم ضرب الدهر ضرباته، واجلينا عن متازلنا وتغلب علينا جند البربر فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة 404 هـ ... " وما هو يصف خراب دوره مستعملا نسرا بديعا ممتعا: "وقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة وقد استخبرته عنها: أنه رأى دورنا ببلاط مفيت في الجانب الغربي منها، وقد أمحت رسومها وطمت أعلامها، وخليت معاهدها، وغيرها اليلى، وصارت صحاري مجذية بعد العسران، وفيافي موحية، بعد الأنس، وخراب متقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن ... " ثم يزيد قائلا في خاتمة كتابه " طرق الحمامة" ما كان عليه من اضطراب وترحال ونتكر الأحباب: "كانت تعلم أن ذهنية متقلب وبالي مهتم بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان ونكبات السلطان، وتغير الإخوان وفساد الأحوال، وتبدل الأيام وذهاب الوقر والخروج عن الطارف والتألف، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب الجاد والمال، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس من الرجوع إلى موضوع الأهل، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار ... " فلم يذق ابن حزم الاستقرار إلا في أول عهد شبابه ثم لم ينعم بعد بطمأنينة الاستقرار لا في أي مكان من أجل إغراق حساده به ووشايتهم له لعدة لسانه وإقراطه في الصراحة. فهذا ما جعله يطوف بين المرية وشاطبه وبتنية واشبيلية وجزيرة ميورقة وبرحل إلى القيروان فيرجع لوطنه الأندلس.

طلبه وعمله ومصنفاته:

لقد تقدم لنا أنه تعلم مبادئ العلوم القرآن على يد نساء من قصر أبيه لكن لم يستوعب الأمور بل حتى في السادسة والعشرين من عمره وهو بجهل أبسط الأمور الفقهية كما يشهد بذلك "إرشاد الأريب" أنني يلفت إلى هذا الشأن وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات" وقد يخبرنا الوزير الإمام أبو محمد العربي عن الظروف المباشرة التي دفعت ابن حزم ليتفقه في علوم الدين وهي جهله بأبسط ألمور الفقهية. أما الفتن والمحن فقد أرغمته كذلك أن يترك الوزارة ويتعاطى الدرس والبحث والتأليف، والمقري وابن بشكوال في الصلة، يحددان تاريخ أول ساعة بقولهما: "وأول سماعه عن ابن الجسور قبل الأربعمائة".

شيوخه:

سمع ابن حزم كذلك على عدة شيوخ تخص بالذكر منهم: أبا عمر أحمد بن الحسين ويحي ب ن مسعود ابن وجه الجنة ويوسف ابن عبد الله القاضي، وأبا بكر حمام بن أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن سات. وقرأ الفقه على بن عبد الله بن دخوف. وقد أخذ بالقول بالظهر على ما يظهر عن مسعود بن سليمان بن مقلت أبو الخيار. قال الضبى: "مسعود فقيه عالم زاهد يميل إلى الاختبار والقول بالظاهر، ذكره أبو محمد بن حزم وكان أحد شيوخه" وقد تتلمذ لشيوخ كثيرين وذكر هو نفسه في " طوق الحمامة" أنه طلب الحديث على سائر شيوخ المحدثين بقرطبة.

تلاميذه:

وقرأ عليه بدوره طلاب منهم أبو عبد الله الحميدي وإبنه الفضل أبو رفع، والإمام الوزير أبو محمد بن العربي.

وقد روي عنه الكثير وصاحبه ابن العربي سبعة أعوام وقرأ عليه أكثر تصانيفه، كما يشهد بذلك: "صحبت الإمام أبا محمد علي بن حزم سبعة أغوام، وسمعت منه جميع مصنفاته" حاقا المجلد الأخير من كتاب "للفصل". ومما يروي عن عزيمته لطلب العلم وحسن نيته مجادلته مع الباجي الذي قال له: "أنا أعظم منك همسة في طلب العلم لأنك طلبته وأنت معان عليه، تسهر بشكاة الذهب، وطلبته وأنا أسهر بقتديل بائت في السوق فاجابه ابن حزم بهذا الجواب المسكت الذي يظهر ذهاء مؤلفنا وذكائه ك وغايتي القصوى من طلب العلم من أجل العلم، هذا الكلام عليك لا لك، لأنك طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل عالي، و أنا طلبته في حين ما تعلمته وما ذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والأخيرة". فكانت غايته هي نشر العلم والعرفان وأنشد في ذلك:

منادي من الدنيا علوم أيتها *** وأنشرها في كل باد وحاضر

دعاء إلى القرآن والسنن، التي *** تأسى رجال ذكرها في المعاصر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١١٨