تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الخلفاء لا يقدمون على كبيرة أو صغيرة إلا بعد استشارتهم، وكان جلهم من أهل السنة والجماعة من أتباع مالك. كما ورد ذلك عند عدة مؤلفين من بينهم الجغرافي المقدسي الذي اهتم كثيرا بالفرق الإسلامية والأديان في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» قال «وأهل الأندلس على مذهب مالك وقراءة نافع وهو يقولون: «لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه. وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه .. »

فعلى هذه الحال من ازدهار فكري وأدبي ونو من التعصب المذهبي كانت الأندلس على عهد دولة الأمويين.

فبعد وفاة الناصر سنة 350 تولى ابنه الحكم فصار على سيرة أبيه.

وقد كان كذلك ولوعا بالعلم والأدب ويجمل بنا أن نذكر في هذا الصدد، مبلغ عنايته بالعلم عن ابن حزم نفسه حيث قال: إن عدة الفهارس في خزانة الحكم العلمية، التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة وليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط».

وقد توفى سنة 366 بعد حكم طال ست عشرة سنة. وبوفاته ضعفت الدولة الأموية وبدأت تظهر علامات الفتور والاضمحلال على العهد الذهبي للأندلس بقيام الفتن والاضطرابات ومن ثمة لم تقم للأمويين قائمة إذ استثب الأمر للوزراء والحجاب فنشأت بذلك دولة بني عامر في عهد هشام ابن الحكم الذي كان يبلغ عشرة أعوام فقط، فبانقراض الخلافة الأموية استقل كل وال بولايته، وبدأ عهد ملوك الطوائف في الأندلس فظهر ابن جهور في قرطبة وابن عباد في إشبيلية والفتن قائمة حتى ملك الأندلس يوسف بن تاشفين من المرابطين.

هذه نظرة خاطئة عن الدولة الأموية وانقراضها الذي يصادف العهد المضطرب الذي شهده وعاشه ابن حزم. فكيف تكون نشأته وتربيته وانفعالاته في مثل هذه البيئة؟

أصله، ونشأته، وشبابه:

اسمه الكامل: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، وقد أجمع مترجموه على أنه ازداد يوم آخر رمضان سنة 384 هـ الموافق 7 نوفمبر 994 بقرطبة. وكان ينتمي إلى عائلة أصلها من قلعة «منشت ليشم» في إقليم الزاوية على حسب «إرشاد الأريب» ولم يعتنق الإسلام إلا جده الأعلى يزيد الذي كان مسيحيا وذا أصل فارسي. وتولى والده الوزارة للحاجب المنصور بن أبي عامر ثم لابنه المظفر وأسرته كما قال الفتح بن خاقان: «بنو حزم فتية علم وأدب وتنبيه ومجد وحسب» وقد طعن بعض الناس في انتساب ابن حزم إلى فارس كما ورد ذلك عند ياقوت. وقد تغير حال الأب والابن بتغير السلطان وأبعاد العامريين خصوصا بعد أن تولى الحكم هشام الثاني في ذي الحجة عام 400 الموافق ليوليوز سنة 1010. فتوفي أبوه بذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة بعد أن عاش هذه الانقلابات السياسية والاضطرابات والفتن الناتجة عنها التي غيرت حاله وأساءت إليه بعد عز شامخ ورفاهية كبيرة. فغادر أبو محمد علي بن حزم قرطبة في محرم 404 وكانت هذه قد أثرت فيها الفتن. ومن حسن حظنا أن ابن حزم أعطانا صورا غافية عن طفولته وشبابه في كتابه «طوق الحمامة في الألف والألفة» الذي يمكن أن يعد من عدة وجوه كترجمة ذاتية للكاتب أو «اعترافات» له مكتوبة في قالب شاعري يسحر من يطلع ويغمره كما يمكننا أن نرى فيه، كما سيأتي ذلك من بعد لما نتكلم عن ابن حزم كأديب وشاعر، دقة تصويره وتعبيره لما يروج في النفوس من الخواطر والهواجس وانفعالات الأشخاص خصوصا النساء منهم الشيء الذي يحظه يذكرنا في أولئك الكتاب الفرنسيين الذين ظهروا في القرن السابع عشر كراسين على الخصوص، ولا غرابة في ذلك إذ المنبع واحد، وهو الثقافة اليونانية. والذي يهمنا هنا هو أننا نجد معلومات ضافية عن نشأته وشبابه ودراسته ومراهقته وحبه في تأليفه هذا الذي قد يكون من الراجح أنه انتهى من كتابته سنة 418 وعمره يناهز حينئذ أربعا وثلاثين سنة. فقد أخبرنا ابن حزم أنه نشأ نشأة المترفين كما يؤكد ذلك صاعد حين يصفه بأنه كان: «يلبس الحرير ولا يرضى بالمكانة إلا بالسرير». وقد وصف ابن حزم قصور آبائه التي كان ينتقل بينها وهو منعم غير مكلف بعمل حتى توفي والده.

وامتازت تربية ابن حزم بالعناية الخاصة التي أولاها له أبوه حيث جعل له المربيات اللواتي اعتنين بنشأته وتهذيبه. ومن جملة ما يحكى عن طفولته قوله: «ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري» لأني ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في الشباب وحين تبقل وجهي، وهن علمتني القرءان ورويتني كثيرا من الأشعار، ودربنني في الخط. ولم يكن وكدي وأعمال ذهني منذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدا، ألا تعرف أسبابهن وللبحث عن أخبارهن وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن» وبدل أن تصرفه هذه العيشة الراضية والتربية الأرستقراطية عن الجد والمثابرة في طلب العلم فإنها ضاعفت إحساساته وشعوره وتمت فيه مدارك الملاحظة واستقراء الأمور وتميزها. ويخبرنا ياقوت أن ابن حزم: «أقام في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ست وعشرين سنة» كما وزر للمرتضى صاحب بلنسية وحارب في جيشه بغرناطة وقد أسر سنة 403. ثم لما تولى الخلافة صديقه عبد الرحمن المستظهر في رمضان سنة 114 أسند له الوزارة التي أقام فيها بضعة أشهر حتى مقتل عبد الرحمن في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١١٧