دعوة الحق، س.6، ع8/ 9 /يونيو 1963 .................... ص 24
بمناسبة المائة التاسعة لذكرى ابن حزم؛ عصره وإنتاجه
للأستاذ: فتحي النجاري
قبل أن تحاول أن نحيط ببعض مظاهر ابن حزم ذلك الكاتب العظيم الذي أنجبته مدينة قرطبة من بين مفكريها نود أن نلقي نظرة ولو سريعة على عصر ابن حزم وما كانت عليه الأحوال في ذلك الزمن إما له من تداخل بين الوسط والإنتاج الفكري ولتأثير البيئة على أصحابها، مع العلم بأن هذا لا يكفي لتفسير ظهور كتاب وشعراء فطاحل من الآونة إلى الأخرى إذ أنه يبقى مجال للمواهب الخاصة وللعبقرية الشخصية.
على كل حال فما كانت عليه الأندلس مجملا من الناحية السياسية والفكرية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري آخر القرن العاشر المسيحي الذي أنجب ابن حزم الذي يعد بمثابة علم من أعلام الدين، والشعر والأدب والسياسة والتاريخ والفلسفة فقد توفي الخليفة العظيم عبد الرحمن الناصر سنة 350 هـ بعد عهد مزدهر دام خمسين سنة قضى على الاضطرابات وهيأ للناس رخاء وأمنا ما عدا على رفع شأن العلم والعرفان. وقد ساهم الخليفة مباشرة في إحياء هذه الحركة العلمية بتقريبه له الكتاب والشعراء وفتح خزائنه لهم. كما اعتمد في حكمه على الصقالية الذين كان يثق بهم أكثر من العرب والبربر، حتى كان كثير منهم من الأرستقراطيين في المال والجاه. وقد يصف أحمد أمين قرطبة في هذه الفترة في كتابه ظهر الإسلام ج 3 فيقول:
«ومن أجل هدوء البلاد وطأ نيتها وطول عهد عبد الرحمن استطاعت الحضارة الأندلسية أن تزهو وتزدهر، حتى كانت قرطبة تفوق كثير من مدن أوربا. ازدهرت التجارة والزراعة، حتى بلغ دخل الدولة السنوي من طريق السرائب والمكوس في عهد عبد الرحمن الناصر 20 مليون دينار، ويقول الأستاذ بروفنسال: أنها بلغت فيما بعد 40 مليونا وربما كان وصف العمارة التي أنشئت في عهد عبد الرحمن من أكبر الدلائل على حضارته، كالأوصاف البديعة التي وصفوا بها مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن هذا، وسماها باسم جارية حظية عنده. قالوا أنه عمل في بنائها عشرة آلاف عامل في خمس وعشرين سنة. وبنى فيها قصرا للخليفة ومنازل للموظفين، إلى البساتين والقاعات من الذهب والرخام ذي الألوان المتعددة، وبجانب هذه الحضارة المادية كانت الحضارة الفكرية من شعر وفلسفة وتصوف وحركات دينية وعلمية.
وهذا ما حذا بابن حزم أن يكتب رسالة في فضل علماء الأندلس. عاب فيها على أهل بلده تقصيرهم في ذكر علمائهم وآثارهم، فقد بين في رسالته هذه أن الأندلس لا يقلون على الشرقيين في سائر العلوم اللهم إلا ما كان من علم الكلام والحساب والهندسة وهذا ما يؤكده الشقندي في رسالة له في فضل الأندلس: «إن الإجماع حصل على فضل الأندلس، وقد نشأ فيهم من الفضلاء والأدباء والشعراء ما اشتهر في الآفاق إلى أن ذهبت أخبارهم ودرسوا ودرست آثارهم» وكان من ملوكهم العلماء: المنصور بن أبي عامر، وبنو عباد، وبنو صادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، وبنو هود. ومن وزرائهم الأدباء الذين بالغوا شوطا عظيما في النظم والنثر.
وقد اشتهر منهم في الفقه عبد الملك بن حبيب، وأبو الوليد الباجي، وأبو بكر بن العربي، وأبو الوليد ابن رشد وفي الحفظ ابن حزم الذي زهد في الوزارة ومال إلى وتية العلم التي اعتبرها فوق كل رتبة. وقد يطول بنا الكلام لو أردنا ذكر مشاهيرهم ولنكتف بالإشارة إلى اللغوي الكبير ابن سيده صاحب كتاب الحكم، والنحوي أبي علي الشلوبني والفيلسوف ابن باجة، والنجم المقتدر ابن هود والطبيب ابن طفيل والأديب ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد. أما مدينة قرطبة نفسها لقد كانت عاصمة ملك ومركز أدب وعلم، وصفها الثعالبي بهذا التعبير «وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ومركز العلم، ومنار التقي، ومحل التعظيم والتقدير». وقد كان للفقهاء سطوة كبيرة حيث