تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد كان رجلا عالما مثقفا واسع الفكر فعرف للشيخ ابى الحسن مكانته، وأدرك أن التهمة مغرضة، ولم يجد في الشيخ شرا يخافه، وخاصة أنه لم يكن معتزما المقام في مصر، بل كان متجها في طريقة إلى الحج، فقربه إليه وأكرمه، يقول الشيخ أبو الحسن:

"وأقمنا عنده - أي عند الملك الكامل - في القلعة أياما، واهتزت لنا الديار المصرية إلى أن طلعنا للحج".

وبعد أداء فريضة الحج أسرع الشيح أب الحسن بالعودة إلى تونس.

ترى هل نسي الشيخ ما فعله به ابن البراء وكيف سعى به لدى سلطان تونس ثم يمارس القضاء في تونس.

أن الشيخ أبا الحسن لم ينس هذا كله، ولكنه عاد وفاء بالوعد الذي وعده للسلطان أن يذهب للحج ثم يعود وعاد لغرض آخر أهم من هذا كله، عاد ليلتقي بتلميذه وصفيه وخليفته ابى العباس المرسي، فإنه يروي عن أبى الحسن أنه قال:

"ما ردني إلى تونس إلا هذا الشاب"

يقصد أبا العباس المرسي.

وكان أبو العباس قد خرج من مدينة سبتة هو وأبوه وأمه وأخوه في سنة 640 يقصدون الحج، وحملتهم سفينة عبر البحر الأبيض، ولكن السفينة غرقت بالقرب من بونة، وقدر لابي العباس وأخيه أن ينجوا من الغرق، فاتجها إلى تونس وأقاما بها إلى أن عاد إليها أبو الحسن الشاذلي، فتعرف إليه أبو العباس، ولازمه منذ ذلك الحين، ولم يقم الشيخ في تونس طويلا هذه المرة، بل سرعان ما صحب تلميذه ومريديه ورحل نهائيا إلى مدينة الإسكندرية في سنة 642 هـ. ولمقابلة التلميذ بالشيخ قصة يعنيها منها أن تعرف أن الحسن كان يترقب هذه المقابلة وأنه كان قد ألقي إليه خبر أبي العباس واتصاله به منذ أمد طويل، فقد قال لأبي العباس في ختام مقابلته الأولى له:

"رفعت إلى منذ عشر سنين".

وبعد أن تحققت النبؤة لم يعد هناك ما يربط الشيخ بتونس، لهذا لم يمكث بها هذه المرة غير سنتين وعمل في خلالهما على تصفية أموره، فباع داره بها ثم أعد العدة للرحيل إلى الشرق، وكان في هذا تحقيق للجزء الأخير من نبوءة أستاذه ابن مشيش التي كان قد ختمها بقوله " وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق وترث القطبانية".

وفي سنة 542 أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال إلى مصر، فقد روي عن الشيخ أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: يا علي انتقل إلى الديار المصرية فإنك تربى فيها أربعين صديقا".

وكان الشاذلي قد مر بالديار المصرية مرارا أثناء روحاته السابقة إلى الحج وغدواته منه، وقد أعجب ولاشك أثناء زياراته هذه بمدينة الإسكندرية، ولهذا أثر أن يحط رحاله بها، وكان في صحبته عند رحيله عدد كبير من تلاميذه ومريديه الذين أثروا صحبته على البقاء في أوطانهم، وكان في مقدمتهم تلميذه الأثير أبو العباس المرسي، وخادمه الأمين أبو العزائم ماضي بن سلطان، والحاج محمد القرطبي، وأبو عبد الله البجائي، وأبو الحسن البجائي، والخراز، وغيرهم كثيرون. وكان الركب وهو في طريقة إلى الإسكندرية بتزايد عدد كلما مر بمدينة من المدن، فيضم إليه الأتباع والمريدون يوثرون الرحلة مع الشيخ على البقاء في أوطانهم، يلتمسون في صحبته البركة، وكانوا أثناء السير يستبقون على القرب من دابته، ويقضون الوقت في السمر والحديث اللطيف، وهين الشيخ ترقبهم من السمر والحديث اللطيف، وعين الشيخ ترقبهم من بعيد وأذنه تستمع إلى حديثهم فيشاركهم مرة ويعلن إعجابه بما يسمع مرة أخرى.

روى صاحب المفاخر الملية أن رجلين كانا يمشيان قريبا من دابة الشيخ يستظلان برجله، فقال أحدهما للآخر يعاتبه: " يافلان، رأيت فلانا يسئ معك العشرة وأنت له محسن؟ فقال صاحبه فلانا هذا من بلدي؟ وأنا أتمثل في معاملتي له بقول مجنون ليلي:

رأى المجنون في البيداء كلبا فجر له من الاحان ذيلا

فلاموه على ما كان منه وقالوا كم أنلت الكلب نيلا

فقال دعوا الملامة أن عيني رأته مرة في حي ليلي

وسمع الشيخ - رضي الله عنه - حديث الرجلين فأعجبه، وأخرج رأسه من المحارة وقال للرجال: " أعد يا بني ما قلت".

فأعاد الرجل مقالته، فاهتزت نفس الشيخ طربا وأخذ يتماثل في مكانه وهو يردد البيت الأخير:

دعوا الملامة أن عيني رأته مرة في حي ليلا

" خذها يا بني والبسها فأنت أولى بها مني، كان ذا ذوق أدبي رفيع يطرب للقول الجميل وللمعنى السامي،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٠٩