تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعقد المجلس وحضره السلطان، وجلس وراء حجاب.

قال صاحب دورة إلا سرار:

"اجتمع ابن البراء وجماعته من الفقهاء في القضية، وجلس السلطان خلف حجاب، وحضر الشيخ رضي الله عنه. وسألوه عن نسبه مرارا والشيخ يجيبهم عليه والسلطان يسمع، وتحدثوا معه في العلوم كلها فأقاض عليهم بعلوم أسكتهم بها، فما استطاعوا أن يجاوبوه عنها من العلوم الموهوبة، والشيخ يتكلم معهم بالعلوم المكتسبة ويشاركهم فيها ".

وأقحم ابن البراء وصحبه، وعلت كلمة الشاذلي، واقتنع السلطان ببراءته، بل وآمن بولايته، فالتفت إلى ابن البراء ومن معه وقال لهم:

"هذا رجل من أكابر الأولياء وما لكم به طاقة".

وأحس ابن البراء بحرج الموقف، فقد كان أهل تونس جميعا واقفين بالباب منتظرين نتيجة المحاكمة، فأراد أن يعود إلى تحريض السلطان على أبى الحسن وأن يخيفه من ثورة الناس ان هو أطلق سراحه، فقال له:

"والله لئن خرج في هذه الساعة ليدخلن عليك أهل تونس ويخرجوك من بين أظهرهم، فانهم مجتمعون على بابك".

ولكن السلطان لم يعر هذا القول التفاتا وأمر الفقهاء أن ينصرفوا، واستبقى الشيخ أبا الحسن، ولبث معه وقتا يحدثه ويلاطفه، إلى أن حضر أخوه السلطان أبو عبد الله اللحياني - وكان من المعتقدين في الشيخ - فأمره أن يصحب الشيخ إلى داره معززا مكرما.

خرج أبو الحسن من هذه المحنة منتصرا، ولكنه بدا يحس أن المقام لم يطب له في تونس، فإنه توقع أن، القاضي ابن البراء لا يمكن أن يخضع للهزيمة التي مني بها وأنه لابد مدبر مكيدة، وأن الفتنة توشك أن تنشب بين أتباعه وبين الفقهاء من أصحاب البراء، وهو رجل صوفي ينشد الصفاء والهدوء والحياة الصافية، لهذا ازمع على مغادرة تونس، وأخذ يدبر أمر للرحلة، وسمع السلطان بالخبر، فتألم وقال لمن حملوا إليه الخبر:

"أي شيء يسمع به عن أقليمنا؟ أنه أتاه ولي من أولياء الله فضاق عليه حتى خرج فارا بنفسه".

ثم أرسل إلى الشيخ ابى الحسن من يحاول أن يتنيه عزمه، ولكن الشيح اعتذر اعتذارا لطيفا وقال للرسول:

" أنا ما خرجت إلا بنية الحج، وإذا قضى الله حاجتي أعود إن شاء الله تعالى "

وعلى أساس هذا الوعد بالعودة إلى تونس بعد أداء فريضة الحج سمح السلطان للشيخ أبى الحسن بالسفر.

وقبل أن يغادر الشاذلي توني أرسل إلى ا بن البراء رسالة قصيرة بها جملة واحدة يسخر فيها منه ومن أطماعه وحقده، قال فيها:

" أتراني أوسع لك مدينة تونس"؟

ولكن أبن البراء كان فلبه لا يزال عامرا بالحقد على السيخ أبى الحسن منذ منى بالهزيمة في مجلس السلطان فدبر للشيخ مكيدة أخرى، لقد أعد رسالة إلى سلطان مصر وقع عليها معه عدد من الشهود وحدثه فيها حديث الشيخ، واتهمه فيها بأنه شريف علوي وأنه يسعى إلى إعادة ملك الفاطميين، وقال في ختام الرسالة:

إن هذا الواصل إليك شوش علينا بلادنا وكذلك يفعل ببلادكم.

وأمر حامل الرسالة أن يسرع بها ليصل إلى مصر قبل وصول الشيخ إليها.

وكان سلطان مصر في ذلك الوقت هو الملك الكامل محمد الأيوبي، والأيوبيون سنيو المذهب وهم الذين قضوا على المذهب الشيعي والدولة الفاطمية في مصر، وكان أخشى ما يخشونه الحركات الشيعية التي تعمل لإعادة الملك للفاطميين، لهذا وجدت هذه الرسالة عند السلطان أدنا صاغية، ولم يكد الشيخ يصل إلى الإسكندرية حتى قبضت عليه السلطان المصرية، وأرسل محروسا إلى القاهرة، وعند وصوله إليها صعد به إلى القلعة حيث عقد السلطان مجلسا من القضاة والعلماء والفقهاء، ووجه السلطان التهمة إلى الشيخ أبى الحسن وقال به:

"هذا عقد مشهود فيك، وجهه ابن البراء من تونس، وعلامته فيه"

ثم أطلعه على العقد.

وكانت محاكمة ثانية، وتحدث الشيخ فبهر الجميع بحديثه، وأخذ بألبابهم، وخاصة الملك الكامل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٠٨