تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما تدل على الأسلوب الذي كان يصطنعه لتأديب مريديه وأتباعه فهو يترك فرصة - وأن كانت عارضة ألا انتهزت للمكافأة غلى الخلق الكريم ليتسابق الكل في التحلي به والإقتداء بصاحب المكافأة.

وقد وصل الشيخ أبو الحسن وركبه وصحبه إلى عمود السواري ودخلوا الإسكندرية من باب صدرة المقابل لهذا الباب/ واتخذ الشيخ له دارا يقيم فيها بالقرب من كوم الديماس - كوم الدكة الحالي-

والشيخ أبو الحسن وركبه وصحبه إلى عمود السواري ودخلوا الاسكندرية من باب سدرة المقابل لهذا الباب، واتخد الشيخ له دارا يقيم بالقرب من كوم الديماس - كوم الدكة الحالي-

وبدأ الشيخ يلقي دروسه ويعقد الحلقات يعظ الناس ويدعو إلى طريقته ومبادئه، وجدبت إليه هذه الدروس والمواعظ الجلة من علماء المدينة وفقهائها وفضائلها فلازموه ملازمة تامة، وسيكون هؤلاء التلاميذ فيما بعد قادة الحياة الفكرية والروحية في المدينة، نذكر منهم تلميذه الأثير أبا العباس المرسي، والشيخ مكية الدين الأسمر، والشيخ عبد الحكيم بن ابى الحوافر والشيخ أبا القاسم القباري، والشيخ أمين الدين جبريل، والشيخ أبى المنبر والشيخ شرف الدين البوني وكثرين غيرهم.

وكان الشيخ يعقد حلقات درسه في مسجد العطارين، وهو أقرب المساجد إلى دارة، وروى صاحب الفاخر العلية أن الشيخ كان يعقد كل ليلة في داره مجلسا يأتي الناس إليه من البلد يسمعون كلامه.

وقد أخذ الشيخ أبو الحسن الشاذلي تلاميذه ومريديه بالمبادئ المثلى في التصوف فهو لم يكن يفهم التصوف كما كان يفهمه بعض معاصريه وبعض المتدروشين حتى اليوم على أنه بطالة تامة بحجة الزهد والتفرغ للعبادة، بل كان يفهمه على أنه صفاء تام في النفس وتقوى خالصة لله وحب لله تعالى وتعلق به وارتفاع بالروح وبالعمل وبالقول عن الدنايا.

وهذا كله لا يمكن أن يقعد الإنسان عن السعي والعمل وطلب الرزق، وكان يكره من المتصوفة التظاهر بالفقر فهو نوع من الادعاء، ولكي يضرب لأتباعه المثل والقدرة كان يحيا هو حياة نظيفة منعمة فكان يلبس فاخر الثياب، ويركب فاره الدواب، يتخذ الخيل الجياد، وكان يكره أن يلبس الصوفية الملابس المرقعة التي اصطلح الفقراء وأهل الطريق على لبسها، لأنه كان يرى أن هذا اللباس ينادي على صاحبه: أنا الفقير فأعطوني شيئا، وينادي على سره بالإفشاء ومن لبس الزي واتخذ المرفقة في دابه فقد ادعى. ومن أقواله:

" ليس هذا الطريق بالرهبانية ولا بأكل الشعير والنخالة، وإنما هو بالصبر على الأوامر واليقين في الهداية، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".ودخل على الشيخ أبى الحسن مرة فقير عليه ملابس شعر، فلما فرغ الشيخ من كلامه، دنا منه ذلك الفقير وأمسك ملابسه وقال:

"يا سيدي ما عبد الله بهذا اللباس الذي عليه؟ " فامسك الشيخ بملابس الفقير فوجد فيها خشونة فقال له:

" ولا عبد الله بهذا اللباس الذي عليك، لباس يقول للناس أنا غني عنكم فلا تعطوني، ولباسك يقول أنا فقير إليكم فعطوني".

وكان أبو الحسن يدعو أتباعه إلى العمل والسعي ويكره المزيد المتعطل الذي يركن إلى البطالة ويرتزق من سؤال الناس، فالإسلام دين عزة وكرامة وجد وعمل، وهذه الطرق الصوفية في رأيه لا يجب أن تخرج عن التعاليم الأساسية للإسلامية، وإن كان لها من هدف بعد هذا فإنما هو الدعوى إلى صفاء النفس وتقوى الله، بل أنه كان يغالي فيرى في العمل نوعا من العبادة بل هو خير عبادة، إنه التسبيح الدائم باسم الله، لهذا كان يقول لمريديه:

"عليكم بالسبب - أي العمل والسعي وراء الرزق- وليجعل أحدكم مكوكه سبحته أو تحريك أصابعه في الخياطة أو الضفر سبحته".

وقال ابن عطاء الله السكندري:

"كان الشيخ أبو الحسن يكره المريد المتعطل، ويكره أن يسأل تابعه الناس وقد كان جوادا بما يملك وكريما يكره البخل ويبحث عن طرق باب الأسباب والعمل"

وكان الشيخ يرى أن عبادة الله لا تستلزم أن تشق عن نفسك وتعديها وتكلفها من أمرها شططا فإنك إن حمدت الله وأنت متألم مما بك من فقر وطاقة أو مما تحس من تقشف وخشونة فإن حمدك يكون مشوبا بالمرارة والضيق، ولكنك لو حمدته راضيا مرضيا بما يحيط بك من نعم الله الوفيرة وروحك هادئة مطمئنة بما هو مبسوط لذيك من خيرات الله العميمة، فإن حمدك يكون صادر من القلب والنفس والروح والجسم جميعا، بل أن كل عضو من أعضاءك يشاركك في هذا الحمد، وما أجمل قول أبى الحسن في هذا المعنى:

" يا بني: يرد الماء، فإنك إذا شربت الماء الساخن فقلت الحمد لله تقولها بكزازة، وإذا شربت الماء الباردة فقلت الحمد لله استجاب كل عضو فيك بالحمد لله"

الرباط: الدكتور جمال السنان.

المستشار الثقافي بسفارة الج ع. م

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١١٠