وفي شاذلة تأسى الشاذلي بأستاذه ابن مشيش، فلم يسكن في القرية وإنما لجأ إلى غار في جبل زغوات المطل على شاذلة، واتخذ هذا الغار رباطا له يقيم ويتعبد فيه، وكانت حياة الشاذلي في هذا الغار كلها تقشف وزهد وإغراق في العبادة، وكان يشاركه هذه الحياة في معظم الأوقات تلميذه الجديد الحبيبي.
وقد روى الحبيبي أنه أقام مرة مع أبى الحسن في جبل زغوات أربعين يوما كان يفطر فيها على العشب وورق الدفلى حتى تقرحت أشداقه، فقال له أبو الحسن يا عبد الله كأنك اشتهيت الطعام، فقال له يا سيدي، نظرك إلي يفنيني، فقال أبو الحسن: غدا إن شاء الله نهبط إلى شاذلة وستلقانا في الطريق كرامة".
وأقام أبو الحسن في شاذلة وطالت إقامته وذاعت شهرته وعرف الناس له فضله وصلاحه وتقواه وآمنوا بولايته، وبدأ الجزء الأول من نبوءة أستاذه ابن مشيش يتحقق، فعرف منذ الحين بالشاذلي وغلبت عليه هذه الشهرة، وقصده الناس من الأماكن والبلدان المجاورة، وبدأ يخرج عن رباطه بعض الوقت فيقيم بإحدى الدور في مدينة تونس يدرس ويعظ وينشر دعوته وطريقته بين تلاميذه ومحبيه ومريديه.
ولم تكن تونس غريبة على أبى الحسن فقد دخلها من قبل طفلا وأقام بها شابا يافعا، وفيها تلقى دروسه الأولى، وفيها كانت له مناظرات سابقة مع علمائها وفقهائها، وقد وفد عليها هذه المرة رجلا مكتمل الرجولة عالما وافر العلم، صوفيا صاحب حالات وكرامات: لهذا لم يكن غريبا أن يقبل عليه الناس من كل حدب وصوب يغترفون من علمه، ويتأدبون بآدابه، ويستمعون إلى دروسه ومواعظه وتعاليمه، ويلتمسون منه الدعاء والبركة، فاتسعت حلقات دروسه وكثر اتباعه ومريدوه، فكان إذا جلس للدرس والوعظ تحلقوا حوله بالعشرات، وإذا سار انتقل ساروا في ركابه بالمئات.
قال المناوي في الكوكب الدربة:
كان الشيخ أبو الحسن إذا ركب تمشى أكادير الفقراء وأكابر الدنيا حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكاسات بين يديه.
هذا الإقبال أثار حقد العلماء وحسد الفقهاء في تونس، وجر على الشاذلي شرا كثيرا، فتعرض لمحنة كبيرة فقد كان قاضي الجماعة وعالمها في مدينة تونس على ذلك الوقت هو أبو القاسم ابن البراء، وقد ضاق ابن البراء بأبى الحسن عندما رأى الناس ينفضون من حوله ويتحلقون حول الشاذلي في كل مكان يحل به، وآلمته هذه المواكب الحافلة تتقدمها الإعلام والكوسات والطبول كلما انتقل الشاذلي من مكان إلى مكان، فبدأ يكيد لابن الحسن وسعى به لدى سلطان تونس ابى زكرياء الحفصي، واتهمه لديه بأنه يتآمر على سلطانه، فهو حسنى علوي ولعله يسعى لإقامة ملك لنفسه كما أقام الفاطميون ملكهم من قبل في تونس نفسها.
ولم يقنع ابن البراء بهذه التهمة الخطيرة فأتهم أبا الحسن بتهمة أخرى لا تقل عنها خطورة أتهمه بالزندقة والإلحاد والخروج على الدين، ليغري به علماء تونس وفقهائها كما أغري به السلطان.
قال صاحب ذروة الأسرار:
"دخل قاضي الجماعة ابن البراء على السلطان ابى زكرياء فقال أن هاهنا رجلا من أهل شاذلة سراق الحمير يدعى الشرف، وقد اجتمع عليه خلق كثير ويدعى أنه الفاطمي ويشوش عليك في بلادك".
كان إدعاء ابن البراء ماهرا ماكرا، وكانت التهمة خطيرة، ففي تونس عبد الله المهدي من قبل الخلافة الفاطمية، والشيعة يؤمنون بفكرة المهدي المنتظر، ومنذ زالت الخلافة الفاطمية وهم يتطلعون إلى إعادتها، وأبو الحسن الشاذلي ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، والناس يؤمنون بقطبانيته، وابن البراء لا يرى في كلمة القطب إلا أنها ستار يخفي وراءه معنى الإمام الفاطمي أو المهدي، ولكن الحقيقة أن أبا الحسن لم يكن يعنيه بالسياسة ولم يكن يفكر في الملك: بل أنه لم يكن يساير غلاة الشيعة في معتقداتهم، فالشيعة لا يؤمنون إلا بعلي، وينكرون خلافة أبى بكر وعمر وعثمان، أما أبو الحسن فقد كان يعترف بهؤلاء الصحابة الإجلاء وأنه يغترف من فضلهم، فقد كان يجيب من يسأله عن شيخه بقوله:
"أما فيم مضى فعبد السلام بن مشيش، وأما الآن فأنا ا ستقي من عشرة أبحر: خمسة آدمية، وخمسة سماوية، فالخمسة الآدمية: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والنبي صلة الله عليه وسلم".
على كل فإن السلطان أبا زكريا لم يأخذ بأقوال ابن البراء، بل كان حكيما عادلا فأمر بأن يعقد مجلس بحضرة أبو الحسن والعلماء والفقهاء، وأن يناقش أبو الحسن في كل هذه الدعاوي وغيرها، ويعطى الفرصة للدفاع عن نفسه.