استقرت نفس الشاذلي إذن، فقد قابل القطب الغوث، وأدلى إليه بآية القطبية منذ اللحظة الأولى فقد ناداه بإسمه ونسبه مكتملا، ووعده بأن يلقته علمي الدنيا والآخرة، لهذا لزم الشاذلي أستاذه ملازمة تامة منذ هذه اللحظة يأخذ عنه ويتلمذ عليه، فماذا أخذ الشاذلي عن أبى مشيش؟
أخذ عنه حب الله والفناء في هذا الحب، فهو القائل: أدمن على الشرب والمحبة وكأسهما مع السكر والصحو، كلما فقعت أو تيقظت شربت، حتى يكون شكرك به وحتى تغيب بجماله عن المحبة وعن الشرب والشراب والكأس، بما يبدو لك من نور جماله وقدس كماله وجلاله.
وأخذ الشاذلي عن أستاذه ابن مشيش الإيمان والإيمان القوى الكلي بالله حتى يجد الله في كل شيء فهو القائل:
" أنظر ببصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، وبقرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية والحد، وعن الأماكن، وعن الصحبة والقرب والمسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وأمح الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان".
وأخذ ابن مشيش تلميذه الشاذلي بان يعرض عن الخلق وأن يلجأ إلى الله وحده، وروى الشاذلي أنه كان في إحدى ساحاته فأتى غارا يبيت فيه فسمع رجلا يتحدث، فعجب من وجود إنسان في هذا المكان المنعزل المهجور ولكنه لم يشأ أن يقلق هذا المكان المنعزل المهجور ولكنه لم يشأ أن يقلق هذا المتحدث في الليل، فأبت عند مدخل الغار قلما كان السحر تيقظ أبو الحسن فسمع الرجل يدعو ربه بقوله:
" اللهم أن أقواما سألوك إقبال الخلق عليهم وتخبرهم لهم، اللهم أني أسألك أعراضهم عني واعوجاجهم على حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك".
"ثم خرج الرجل من الغار فإذا هو أستاذي -ابن مشيش-، فقلت له: يا سيدي أني سمعتك البارحة تقول كذا وكذا، فقال لي: يا علي، إنما خير لك أن تقول: كن لي بدلا من أن تقول لي سخر لي قلوب خلقك، فإذا كان لك، كان لك كل شيء".
بهذا المبادئ الروحانية العليا التي تنادي العبد بأن يقبل على حب الله وأن يفتى في هذا الحب تخرج أبو الحسن الشاذلي على أستاذه ابن مشيش فقد قال ابو الحسن:
"سألت أستاذي - رحمة الله- عن ورد المحققين، فقال: عليك بإسقاط الهوى وصحبة المولى وآية المحبة إلا يشتغل محب بغير محبوبه".
وأقبل الشاذلي - وهو في صحبة أستاذه - على العبادة فظهر نفسه من حب الدنيا ومن الإقبال على الخلق، وأقبل على حب الله وفنى في حبه، فلما صفت نفسه وأصبح أهلا للولاية ووراثة القطبانية امرة أستاذه أن يرحل عن فاس إلى تونس، وتنبأ بما سيحدث له في مستقبل أيامه، فقال له:
"أرحل إلى إفريقية وأسكن بها بلدا تسمى شاذلة، فإن الله يسميك الشاذلي، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس، ويؤتى عليك من قبل السلطة، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد الشرق وترث القطبانية".
ترك أبو الحسن مدينة فاس واتجه تنفيذا لأمر أستاذه نحو تونس وعند دخوله إليها تقابل مع رجل خطاب فقير هو أبو الحسن علي الابرقي من أهل شاذلة وهي قرية قريبة من مدينة تونس، فصحبه معه وخرج الرجلان وأتجها نحو شاذلة، وفي الطريق رأى الابرقي شواهد كثيرة من زهد الشاذلي وصلاحه، فأقبل عليه وقبل يديه وسأله الدعاء، وتقول الرواية أن بركات الشاذلي حلت برفيقه فأقبلت عليه الدنيا ووسع عليه في الرزق بعد ذلك.
ونزول أبو الحسن بطرق من أطراف شاذلة وقابل فيها أول من قابل الشيخ الصالح أبا محمد عبد الله بن سلامة الحبيبي. وقد فرح الحبيبي بلقاء ابى الحسن سلامة الحبيبي.
" كنت أحضر بتونس مجلس سيدنا الشيخ العارف أبى خفص الجاسوس، فأخذت بيده يوما أطلب منه أن يقبلني تلميذا له وقلت له ارتقب أستاذك حتى يصل من المغرب وهو شريف حسني من كبار الأولياء وهو أستاذك وإليه تنتسب، فكنت أرتقب كل من يأتي من الفقراء المغاربة وأصحبه، إلى أن من الله علي بلقاء الشيخ أبى الحسن فاتخذته شيخي وصحبته".