ورحل أبو الحسن الشاذلي من قريته غمارة إلى تونس حوالي سنة 602 وهو بعد حدث صغير السن في نحو العاشرة من عمره، وبدأ هناك فتلقى على علمائها الفقه على مذهب مالك، وعلوم اللغة من أدب ونحو وصرف وعلوم الدين من تفسير وحديث وكلام وتوحيد. ولازم حلقات الدرس حتى نبغ في هذه العلوم جميعها، ثم شاقه التصوف واتصل بشيوخه ولبس الحرقة أول ما لبس على يد أبى عبد الله محمد بن حرازم - كما اسلفنا-
والكتب التي ترجمت لابن الحسن الشاذلي تروي قصة طريفة حدثت له عند دخوله مدينة تونس، والقصة تبدو غريبة بعيدة عن المنطق ولكنها تدخل في نطاق ما يسميه القوم بالكرامات، وأغلب الظن أن مؤرخي أبى الحسن واتباعه يرونها للبرهنة على أنه كان منذ شبابه الأول ذا نفس طاهرة نقية صافية، وأنه كان ذا استعداد طيب للولاية منذ هذه السن المبكرة.
روى هذه القصة صاحب كتاب المفاخر العلية في المآثر الشاذلية. قال رواية عن الشيخ جمال الدين القرآني أن الشيخ أبى الحسن الشاذلي قال:
" دخلت مدينة تونس وأنا شاب صغير، فوجدت فيها مجاعة شديدة، ووجدت الناس يموتون جوعا في الأسواق، فقلت في نفسي: لو كان عندي ما اشتري به خبزا لهؤلاء الجياع لفعلت، فالقى في سري: خذ ما في جيبك، فحركت جيبي فإذا فيه نفوذ، فأتيت إلى خباز بباب المنارة، فقلت له: عد خبزك، فعده، فناولته للناس فتناهبوه، ثم أخرجت الدراهم فناولتها الخباز، للناس فتناهبوه، ثم أخرجت الدراهم فناولتها الخباز، فقال لي: هذه مفارقة وأنتم معاشر المغاربة تستعملون الكيمياء، فأعطيته برنسي وكرزيتي من على رأسي رهنا في ثمن الخبز، وتوجهت إلى جهة الباب فإذا رجل واقف عنده فقال لي: يا علي أين الدراهم؟ فأعطيتها له فهزها في يده وردها إلي، وقال ادفعها للخباز فإنها طيبة، فرجعت إلى الخباز فأعطيتها له فقال: نعم هذه طيبة وأعطاني برنسي وكرزيتي، ثم طلبت الرجل فلم أجده، فبقيت متحيرا في نفسي إلى أن دخلت الجامع يوم الجمعة، فجلست عند المقصورة عند الركن الشرقي فركعت تحية المسجد وسلمت وإذا بالرجل عن يميني فسلمت عليه فتبسم وقال: يا علي أنت تقول لو كان عندك ما تطعم به هؤلاء الجياع لفعلت؟ اتتكرم على الله في خلقه ولو شاء لأطعمهم وهو أعلم بمصالحهم؟ فقلت يا سيدي من أنت؟ قال أنا أحمد الخضر كنت ببلاد الصين فقيل لي أدرك بتونس فأتيت مبادرا إليك، فلما صليت الجمعة نظرت إليه فلم أجده".
وفي تونس قضى أبو الحسن سنوات الصبى والشباب الأول تتلمذ فيها على كبار علماءها وشيوخها ومتصوفيها، فبدأ بأبي عبد الله بن حرازم الذي لبس خرقة التصوف على يديه لأول مرة، ثم سمع بالشيخ أبى سعيد الباجي أحد تلامذة أبى مدين وممن أخذوا الطريق عته فسعى إليه وانتفع بعلمه. يصف الشاذلي مقابلته الأولى لأبى سعيد يقول:
" لما دخلت تونس في ابتداء أمري قصدت بها جملة من المشايخ، وكان عندي شيء أحب أن أطلع عليه ويبين لي منه خبر، فما فيهم من شرح حالي، حتى دخلت على الشيخ أبى سعيد الباجي - رحمه الله- فأخبرني بحلي قبل أن أبديه إليه، تكلم عن سري، فعلمت أنه ولي الله، فلازمته وانتفعت به كثيرا وسمعت منه".
في هذا الجو الذي كانت تتجاوب في جنباته آراء الفلاسفة من أمثال ا بن رشد وابن طفيل وابن عربي وتنتشر في نواحيه وروحانيات المتصوفة من أمثال القطب الغوث ابى مدين وأبى عبد الله بن حرازم وأبى سعيد الباجي. في هذا الجو الذي كانت تصطرع فيه قوى العلم والفكر الحر مع قوى الرجعية والتزمت السني. في هذا الجو نشأ أبو الحسن الشاذلي نشأته الأولى، وتلقي علومه الأولى، ولكنه لم يكد يبلغ سن الشباب حتى أحس أن غلته لم تشف وأن ظمأه للعلم والمعرفة لم يشبع، فاعتزم الرحلة إلى الشرق، لأداء فريضة الحج وزيارة الأرض الطيبة المقدسة والقبر الطاهر أولا ثم لإتمام علومه واستكمال دراسته على أيدي شيوخ الشرق ثانيا.
ولسنا نعرف متى رحل الشاذلي رحلته المشرقية الأولى على وجه التحديد، ولكننا نحسبه بدأها حوالي سنة 615 هـ وهو في نحو الثانية والعشرين من عمره.
فإننا سنسمح بعد قليل أنه شيخه أبا الفتح الو اسطي في العراق في سنة 618 هـ.
بدأ الشاذلي رحلته فدخل مدينة الإسكندرية ومر بأرض مصر ثم دخل الحجاز فأدى الفريضة زار فلسطين والشام والعراق وكان في كل بلد يزوره يقصد من بها من العلماء والفقهاء يأخذ عنهم ويستمع إليهم، وكان أكثر اتصاله بالعباد والزاهد والمتصوفة، وكان أكثر تأثره في رحلته هذه بالشيخ أبى الفتح الواسطى وهو من أكبر تلاميذ سيدي أحمد الرفاعي وكانت له