تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلامي بعجزه عن نفسه من المغيرين الوافدين من الخارج، فراح المسلمون يبحثون عن قوة عليا يلجأون إليها في محنتهم ويحسون في كنفها بالاطمئنان النفسي، فلجأوا إلى التدين وأغرقوا فيه وفي العبادة والزهد، يلتمسون في هذا كله سكينة الروح وينسون في رحاب الله ما يكتنفهم من عوامل الفزع و القلق و الاضطراب و من هنا نشطت الحركات الصوفية في القرنين السادس والسابع، وأنقسم المتصوفة في هذين القرنين إلى قسمين: قسم حيا حياة روحية خالصة وقسم خلط التصوف بالفلسفة والروح بالفكر. وقد شهد المغرب عند نشأة الشاذلي به هذين النوعين من المتصوفة.

ففي مدينة فاس بالمغرب الأقصى كان يقيم في أواخر القرن السادس الصوفي الكبير الشيخ أبو تعزي بن بلنور، وكان الناس يفيدون إليه من جميع أنحاء المغرب والأندلس، يأخذون عنه ويستمعون إليه ويلتمسون منه البركات، وفي مقدمة من وفد عليه القطب الفوث أبو مدين التلمساني فعاش معه سنين يقتبس من طريقته بالإقبال كان على الصوم والزهد والصلاة والتقشف والعبادة. حتى إذا قبس قبسة من روح أستاذه حل إلى المشرق ليقتبس قباسات أخريات من شيوخ التصوف هناك، وعن سيدي عبد القادر الجيلالي قطب العراق بوجه خاص.

وعاد أبو مدين إلى المغرب فأقام في بجابة وفاقت شهرته شهرة أستاذه أبى يغزى ولقبوه القوم هناك بالغوث وتتلمذ عليه العشرات من كبار العلماء وفي مقدمتهم الفيلسوف المتصوف الكبير محي الدين بن عربي والشيخ أبو عبدالله محمد بن حرازم أحد شيوخ الشاذلي.

وكانت الدولة القائمة بالحكم في المغرب وقت ذلك هي دولة الموحدين، ومن ملوكها من كان راغبا للحياة الفكرية مشجعا للعلماء والمفكرين، ومنهم من كان متزمتا مضطهدا لرجال الفكر والمشتغلين بالفلسفة.

فمن أمثلة النوع الأول الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وكان رجلا واسع الفكر محبا للعلم صديقا للعلماء، وللفلاسفة منهم بوجه خاص، فقرب إليه عددا كبيرا منه، وفي بلاطه عاش الفيلسوف المغربي ابن طفيل وهو احد ممن حاولوا المزج بين الفلسفة والتصوف، وهو مؤلف قصة حي بن يقظان التي حاول فيها أن يثبت أن العقل والشرع يؤديان إلى نتائج واحدة.

وابن طفيل هو الذي قدم للخليفة يعقوب صديقه الفيلسوف ابن رشد فرحب به وقربه إليه وولاه قضاء اشبيلية.

ولكن المجتمع الإسلامي في المغرب وقتذاك لم يرض عن سياسة الخليفة الموحدي يعقوب، فقد كان رد الفعل السني ذا أثر قوي عليه/ لهذا كان المجتمع سنيا متزمتا ينكر المشتغلين بها وقد استجاب الخليفة أبو يوسف يعقوب بن الخليفة السابق لرغبات المجتمع، فاضطهد العلماء والفلاسفة ورجال الفكر، وأصابتهم في عهده محن شديدة. فاتهم ابن رشد في عهده بالزندقة وحوكم في سنة 591.

واضطهد الصوفي الكبير أبو مدين وأرسل الخليفة يستدعيه من بجاية لمحاكمته، فأتى به مكيلا بالحديد، حتى إذا وصل تلمسان مرض ومات سنة 594.

هذا الجو الذي كان يشيع فيه ضيق الفكر، ويسود فيه الكبت الاضطهاد والمحاكمة دفع الكثيرين من رجال الفكر والفلسفة والتصرف إلى الرجل عن المغرب الأقصى، وفي مقدمتهم محي الذين بن عربي، فقد رحل عن الأندلس والمغرب في سنة 598 بعد أن شهد محنه أستاذه ابن رشد وأستاذه في التصوف ابى مدين.

لم يكن غريبا أ، يشيح الشاذلي بوجهه عن مدن المغرب الأقصى الكبيرة ويرحل إلى تونس ليستكمل علومه بها. فإنه يبدو أن الجو في تونس كان أصلح منه في المغرب الأقصى وحرية الفكر والدراسة مكفولة هناك إلى حد ما، وفيها على ذلك الوقت كان يقيم عدد كبير من أعلام المتصوفة من أمثال الشيخ محمد صالح بن بنصار والشيخ أبى محمد المهدوي والشيخ أبى سعيد الباجي وهم من تلاميذ الغوث، وقد عاصر الشاذلي اثناء تلقيه العلم في تونس هؤلاء العلماء الإعلام ولا شك أنه ا تصل بهم وتتلمذ عليهم وأخذ عنهم. وكان الجو في تونس كلها يضوع منه شذى تعاليم ابى مدين وروحانيته، وقد تأثر الشاذلي بهذا الجو تأثرا شديدا وعشق التصوف وحياة المتصوفة منذ ذلك الحين وبدأ فتلقى الطريقة على ابى عبد الله بن حرازم أحد تلامذة ابى مدين ولبس على يديه خرقة التصوف.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٠٣