إذ على التفسير الذي قدمناه المناسب لمقام افتتاح القرآن به الذي هو أجل الهداية من الله لخلقه، العظمة مستحقة لله ومنه رب العالمين، إذ كونه خالقا للعالم مربيا ومالكا له يوجب تعظيمه واحترامه، وكونه رحمان لخلقه ورحيما له يقتضي تعظيمه واحترامه، حيث أن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، والمحبة تقتضي التعظيم والاحترام، وكونه ملك يوم الدين يبعث على تعظيمه واحترامه، إذ الذي يملك يوم الجزاء «يكون له السلطان المطلق فيه، يجب تعظيمه واحترامه وإلا أحل على من خالف ذلك عقابه فيه، وتخصيصه بالعبادة والاستعانة هو نفس التعظيم والاحترام، وطلب الهداية إلى صراط الذين أنعم عليهم برضاه مفيد لهذا التعظيم والاحترام، إذ ما طلبنا الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو هذا الدين إرضاء له إلا قصد تعظيمه واحترامه.
أما حقوق العباد بعضهم على بعض فربما تؤخذ الإشارة إليها من قوله تعالى «ملك يوم الدين» أي يوم الجزاء على الأعمال، إذ منها أفعال بعضنا إزاء بعض، ومن قوله: «اهدنا الصراط المستقيم»، اهدنا الدين القويم الذي يرشدنا بهداه إلى الاحتفاظ من الزيغ في الأقوال والأفعال التي منها أقوال وأفعال بعضنا لبعض ولانطواء الفاتحة لهذين الجنسين المقصودين في الدرجة الأولى من القرآن والمبثوثين في كل محل منه سميت «أم القرآن» كما في حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن).
أما التقسيم الوارد عن أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث المقدس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: اثنى علي عبدي. فإذا قال: ملك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. وقال مرة فوض إلى عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل. أورده في صحيح المصابيح وغيرها، فهو تقسيم للفاتحة باعتبار آخر، وهو أن بعضها وهو أولها مختص بالثناء على الله وتعظيمه وأواخرها فيه التفات العبد إلى نفسه وطلبه من مولاه سعادتها بهدايتها إلى الصراط المستقيم، ووسطها فيه تذلل العبد إلى مولاه وخضوعه بين يديه، ثم استعانة العبد به في أحواله وأموره.
ولمزيد تفهم معنى هذا الحديث القدسي الوارد في معنى الفاتحة وتقسيمها على سبيل الإجمال نقول: إن أولها كله تعظيم لله سبحانه تعظيما يقتضي بحسب عرف التخاطب الذي يقع بين البشر الفات المعظم (فتحا) للمعظم (كسرا) وحنوه وعطفه عليه بسبب هذا التعظيم والتمجيد، حيث قصر العبد التالي لها الحمد كله عليه ووصفه بكثرة الرحمة لخلقه ودوامها عليهم، وبكونه ملك يوم الدين وحده المطلق التصرف فيه كما يشاء ثم ما كفاه ذلك حتى أيده بقوله إياك نعبد وإياك نستعين، ثم استنزل العبد التالي لها رحمته بقوله وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم ..... الخ.
ثم إن هذا الحديث يدل على ما للفاتحة من عظم قدر، ولا إشكال، وهاك حديثا آخر يدل على هذا العظم كذلك وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي عن أبي سعيد بن المعلي قال: كنت أصلي فدعاني النبي (ص) فلم أجبه، قلت يا رسول الله كنت أصلي قال ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم، ثم قال إلا أعملك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي فلما أردنا الخروج، قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمتك أعظم سورة في القرآن، قال الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.