تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفمن حقت عليه كلمة العذاب أفأنت تنقده من النار،» وفي آية أخرى «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين» إلى غير ذلك مما يقتضي أن النفع والضر والإسعاد والإشقاء كلها بيد الله وحده لا شريك له فيها.

نعم وردت آيات وأحاديث بشفاعة خواص الخلق لمكانتهم عند الله، ولكن غالب تلك الشفاعات مقيدة بإذن الله لهم فيها، حتى لا يعطل الناس العمل اتكالا على الشفاعات مثل قوله تعالى: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له» وفي حديث الشفاعة المشهور، إن النبي عليه السلام لا يشفع يوم القيامة للخلق فيما هم فيه من الحسرة والكرب حتى يستأذن ربه في ذلك فيأذن له، ثم أن تقديم المعمول في قوله تعالى: «إياك نعبد» يفيد الحصر والاختصاص أي نخصك يا مولانا بعبادتنا، وهو غاية التذلل والخضوع، فلا نتذلل، ولا نخضع لأحد كما تتذلل ونخضع لك حيث انفردت بأوصاف الجلال ونعوت الكمال.

رب العالمين الذين أنا منهم، بيدك تدبير أمورهم ومقاليد شؤونهم ورحمانهم ورحيمهم ومالك يوم دينهم

وقوله عز من قائل، «وإياك نستعين»، الاستعانة طلب المعونة من الله، وهو الأقدار على الأشياء التي في طوق البشر كسبها وفعلها، والمراد الأقدار الباطني الخاص بالله بجلب الأسباب وصرف الموانع، فلا ينافي أن بعضنا قد يستعين ببعض على الأشياء الداخلة في طوق البشر المعونة عليها، وقد أذنت الشريعة صراحة في التماس العون فيها كقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى،» وضمنا كقوله تعالى: «نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا».

وقوله تعالى «اهدنا الصراط المستقيم»، الصراط في الأصل الطريق المسلوك، والمستقيم الذي لا انحراف فيه إذ الطريق المنحرف، مضنة الضلال والخروج عن المقصود غير أنه استعيرت هنا الصراط للدين، واستعير المستقيم للذي فيه مع الله وهو دين الإسلام الموصل إلى رضى الله والسعادة الأبدية. ولذلك أبدل منه قوله تعالى «صراط الذين أنعمت عليهم» برضاك، ثم أبدل من الذين أنعمت عليهم قوله تعالى «غير المغضوب عليهم)، أي غير صراط وطريق الذين غضبت عليهم بسبب كبرهم وعنادهم الصادر منهم عن مكابرة وجحد للحق فكانوا بذلك بعداء عن هدايتك ورحمتك، ثم أبدل من الذين أنعمت عليهم فريقا آخر وهم الذين كفروا ولا عن جحد للحق وعناد له، ولكن عن ضلالهم عن طريق الهدي والتباس الحق عليهم، كما قال النبي عليه السلام في حق ابن صياد، كما في صحيح البخاري لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عما يعتقده في حقه، وأجابه ابن صياد عن هذا السؤال بقوله يأتيني بر وفاجر، قال النبي عليه السلام خلع عليه الأمر، وذلك قوله تعالى «ولا الضالين» عن طريق الهدي حيث التبست عليهم بغيرها من طرق الضلال أي اهدنا يا مولانا الصراط المستقيم، ولا تهدنا غيره من الطرق سواء كان بعيدا جدا منه أو قريبا في الجملة، إذ الضلال كما في مفردات الراغب يطلق على العدول عن المحجة الواحدة، أما عن قصد أو غير قصد، سواء كان هذا الضلال يسيرا أو كثيرا غير أنه لما عطف الضالين هاهنا على المغضوب عليهم علمنا بالعطف الذي يقتضي المعايرة، إنهم فريقان وإن الأولين هم المنحرفون كثيرا عن قصد حتى استحقوا غضب الله، وإن الضالين غيرهم ودونهم في هذا الانحراف، حيث لم يوصفوا بغير الضلال وتركوا إلى مشيئة الله بعد ذلك.

هذا تفصيل ما أدركناه من معاني الفاتحة ونكتها عبرنا عن بقدر الطاقة والإمكان، ولمزيد البيان نقول: إن القرآن الذي هو عمدة الإسلام والمسلمين جله لتقرير أمرين عظيمين: تقرير ما لله على البشر من حقوق، وتقرير ما للبشر على بعضهم بعضا كذلك، أما حق الله الواجب له على الإطلاق فقد قرر الإسلام في تعظيمه واحترامه تعظيما واحتراما لا حد لهما ولا غاية، حيث كانت الذات العلية لا حد لهما ولا غاية، فليكن تعظيمها واحترامها لا حد لهما ولا غاية، ولكن لما كانت الشريعة وردت للعموم، وكان عوام الناس عاجزين عن أداء هذا التعظيم والاحترام، بل عجزوا عن تصورهما اكتفت من الناس بالإقرار لله ببعض صفات الكمال المقتضية لهذا التعظيم والاحترام، وهي الصفات الواردة لله في القرآن وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم إن هذا التعظيم والاحترام المطلقين مأخوذان من الفاتحة من غير ما موضع منها. منها لفظ الحمد،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٠٠