وإنما طالبنا سبحانه بهذه الكثرة من ذكره كي تربطنا به رباطا وثيقا حتى إذا ارتبطنا به هذا الارتباط الوثيق صار سبحانه سمعنا الذي نسمع به، وبصرنا الذي نبصر به، ويدنا التي نبطش بها .. الخ كما في الحديث، أعني صرنا نستحضره سبحانه في سائر أعمالنا وأقوالنا، فإذا استحضرناه خفنا سطوته واستحيينا منه، لن نخالفه فيما يأمرنا به أو ينهانا عنه من تلك الأعمال، فامتثلنا أمره واجتنبنا نهيه بقدر الطاقة واحترمنا حقوقه وحقوق خلقه وصرنا لا ننتهك حرمة في نفس أو مال أو عرض، فإذا انتهينا إلى هذه الحالة صلحت أحوالنا واستقامت أمورنا وصرنا المثل الأعلى والقدوة الحسنة الصالحة لغيرنا.
فبذكر الله عند السلف الصالح رضي الله عنهم على النحو الذي قررناه، وبخشيته ومراقبته في أعمالهم صلحت أحوالهم فامتد نفوذهم في سائر المعمور وأعزهم ثم سودهم والحمد لله، ونرجو أن تعود تلك الأيام.
ثم قال جل ذكره: «الحمد لله رب العالمين» الحمد في اللغة، أن تصف غيرك بوجه جميل على جهة التكريم والتعظيم، وطبق وصف جميل يناسب أن يوصف به الله جل جلاله في مقام افتتاح القرآن الكريم وصف العظمة التي لا حد لها، وأل في الحمد للجنس، أو للاستغراق، ولام الجر الداخلة على لفظه الجلالة للاستحقاق وحينئذ، بمعنى جملة الحمد لله، جنس العظمة أو جميع العظمة المطلقة مستحق لله سبحانه، وأنه وإن عظم غيره فمنشأ عظمته ومصدرها منه، ثم وصف نفسه سبحانه بأربعة أوصاف تفيدنا علة استحقاقه لهذه العظمة، بل الأول والأخير منها يستلزمان العظمة بإنسهما كما سيتضح فيما بعد، وهذه الأوصاف هي كونه ربا للعالمين أي مربيا لسائر ما سواه، أو مالكا له، إذ الرب في الأصل مصدر رب بمعنى ربي ثم أطلق اسم الفاعل منه بمعنى المربي أو المالك، وكونه رحمان بخلقه أي واسع الرحمة لهم، التي تشمل البر والفاجر والمحسن والمسيء والمطيع والعاصي، وكونه رحيما بخلقه، أي دائم الرحمة لهم لأن الرحيم صفة مشبهة تقتضي الدوام والثبوت، وكونه ملك يوم الدين أي ملك يوم الجزاء على الأعمال الذي هو يوم القيامة، أي أن هذا اليوم مملوك له خاص به لا يشاركه فيه غيره كائنا من كان، أو هو المنفرد بالملك والسلطان فيه، لا مالك ولا سلطان فيه غيره، ولو على سبيل المجاز (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)، (إن كل من في السموات والأرض الاءاتي الرحمن عبدا) ومن كان مالكا ليوم الدين أو ملكا فيه وحده كان الجزاء على الأعمال فيه مختصا به وحده.
وقد قضى وصفه برب العالمين وبالرحمن الرحيم سائر العقائد الإسلامية الواجبة له سبحانه بالذات، إذ كونه رب العالمين أي مربيا، ومدبرا لأمره أو مالكه وقاهره يقتضي أن يكون موجودا حيا قديما باقيا غنيا على الإطلاق مخالفا لخلقه وحيدا في ذاته وصفاته وأفعاله، عالما مريدا قادرا سميعا بصيرا متكلما، كونه رحمانا رحيما يقتضي جواز فعل الممكنات وتركها في العدم كخلق الإنسان وإماتته وبعثه الرسل وإيجاد اليوم الآخر، لأن هذه الأشياء الأخيرة في الذكر ليست واجبة في نفسها بالذات، وإنما اقتضاها الكمال الإلهي وتعلق العلم والإرادة والقدرة به، فوجبت وكان وجوبها حينئذ عرضا.
ولما دخل يوم القيام في عموم الحائزات كما رأيته في مقتضى عموم الرحمة، وكان لهذا اليوم المقام الأول في المعتقدات بعد معتقد وجود الذات العلية، إذ على وجوده بني الوعد والوعيد، والرجاء والخوف في الشريعة الإسلامية غالبا، وقال تعالى: «وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)، لم يكتف القرآن بدخوله في هذا العموم بل أفرده بالذكر إيذانا بأهميته وإشعار! للقلوب بخشيته لا سيما وقد ذكر مضافا إلى مالك الجزاء فيه بالخير والشر، وهو الله سبحانه.
وقوله سبحانه «إياك نعبد»: العبادة غاية التذلل والخضوع المشعرين بكون العابد تحت قدرة ونفوذ المعبود وحده إيجادا وإعداما ونفعا وضرا، وهو هنا الله سبحانه حيث لا موجد ولا معدم ولا نافع ولا ضار إلا هو وحده.
وما كانت العامة وما زالت تعتقده من أن بعض خواص الخلق من النيئين والمرسلين والملائكة المقربين وعباد الله الصالحين فسببه الجهل بقواعد الإسلام ونصوصه القاطعة بكذب ذلك المعتقد، ألم يكن من قواعد التوحيد العامة أن الله واحد لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله التي من جملتها الإيجاد والإعدام للأشياء، والنفع والضرر والإسعاد والاشقاء، ألم يقل الله مخاطبا نبيه عليه السلام،