تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصفوف أو فصول ورسم أنظمة لها من حيث المناهج والامتحانات والشهادات وإدخال مقدار ضئيل من علوم العصر وهو في منهاج هذه المدارس كالرقعة النابية في الثوب تختلف عنه لونا ونسيجا.

ثم تختلف طريق الجيلين في الحياة ومكانة كل منهما ومهمته في المجتمع، أما الجيل الأول فللوعظ والإرشاد والخطابة والإفتاء والتدريس الديني وما إلى ذلك بحيث يتكون منهم فئة أطلق عليها اسم مبتدع غريب (رجال الدين)، وأما الجيل الثاني فيتكون منه موظفو الدولة ورؤساء دوائرها والاختصاصيون في كل فن من فنون الإدارة أو العمل.

لقد كان لهذه الخطة آثار سيئة جدا في الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي بسبب هذا الازدواج في التفكير وهذا التعدد في العقلية، وكان بين الطرفين حذر متبادل وجفاء ان لم يظهر في الظاهر فإن آثاره موجودة.

والطريق القويمة في تكوين الحياة الإسلامية والأسلوب الطبيعي السليم هو في التوحيد والانسجام، فالحياة واحدة ولو تعددت جوانبها، والإسلام نفسه يقوم على فكرة التوحيد في كل شيء، توحيد الله، وتوحيد الإنسانية، وتوحيد الطبقات، وإقامة مجتمع موحد منسجم، ولذلك كان من واجب البلاد التي تقيم اليوم أسس نهضتها أن لا تسلك طريق الازدواج، وعلى البلاد التي اجتازت نهضتها مرحلة كبيرة وإقامتها على هذا الازدواج أن تتحرر منه وأن تضع أسسا جديدة لنهضتها.

يجب أن يكون في جميع البلاد الإسلامية تعليم ابتدائي موحد يقوم على مفاهيم إسلامية في جميع ودرس الأشياء مبنيا على أساس غرس الإيمان بالله الخالق في قلب الطفل وعقله، كما يكون درس الدين مواده ودروسه، فيكون تلقين المعلومات الطبيعية وسيلة أيضا لبعث همته في الحياة ويعتني في هذه المرحلة بتعليم القرآن وتعويد التلاميذ على الشعائر والعادات الإسلامية، ويكون التعليم الثانوي في المرحلة الثانية تعليما متنوعا من تعليم عام ومهني، تجاري أو زراعي أو صناعي أو نسوي مصطبغا بالصبغة الإسلامية في جميع نواحيه وتكثر فيه مادة الثقافة الإسلامية من عقيدة وتوحيد وتفسير وحديث وفقه وسيرة وتاريخ، وتكون مواردها الفكرية كالفلسفة وعلم الاجتماع قائمة على أساس الإسلام، ونظرية إلى الحياة والوجود والإنسان والكون والحضارة، بحيث يخرج الطالب مشربا بروحه في تفكيره وسلوكه، وأما التعليم العالي أي الجامعي فينبغي كذلك أن يكون موحدا فلا يكون هنالك معاهد مدنية، ومعاهد دينية وإنما تكون معاهد إسلامية متنوعة الاختصاص من الطب والهندسة إلى اللغة والشريعة، ويكون تدريس الإسلام ونظامه جزءا من كل فرع من هذه الفروع بحيث لا تخلو كلية من الكليات كالطب والهندسة والزراعة من ثقافة إسلامية ودينية، لأنها تخرج الطبيب المسلم والمهندس المسلم والأديب المسلم، وليس هذا غريبا في هذا العصر فإن البلاد الشيوعية والبلاد الكاثوليكية تسلك هذه الخطة فتعلم البلاد الشيوعية في جامعاتها العقيدة والفلسفة الشيوعية في جميع فروعها بطريقة إلزامية، كما تعلم الجامعات الكاثوليكية الدين في جميع كلياتها وفي جميع سنواتها.

هذه هي الطريقة التي تخرج لنا جيلا جديدا قويا مسلحا بالثقافة والعلم والدين والخلق، جيلا موحدا منسجما يتصرف في الحياة بطريقة واحدة ويفكر تفكيرا واحدا، ويحل المشكلات التي يصادفها بطريقة واحدة، يستمد عناصرها من الإسلام ومبادئه ويتكون جيل متفقه في دينه فلا يكون هناك رجال دنيا لا يعرفون من أمر الدين شيئا، ورجال دين لا يعرفون من أمر الدنيا شيئا، يتكون جيل إسلامي يشترك على تنوع اختصاصه وتعدد خبرته ومهنته في قسط مشترك من فهم الإسلام، ويشترك في الجهاد في هذه الحياة لتحقيق أهداف الإسلام التي هي أهداف إنسانية تحقق سعادة الإنسانية بترقيتها ماديا وخلقيا وروحيا يوصلها بالكون وآفاقه من جهة، وبالله الخالق من جهة أخرى.

وقد تكون هذه العملية صعبة أو يكون دون تحقيقها عقبات ولكنها أساسية وضرورية لبعث الإسلام من جديد ووقوفه قويا صامدا أمام الأنظمة والعقائد الأخرى وفي ذلك رضاء الله سبحانه وخير الإنسانية وسلامها.

دمشق: محمد المبارك

عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٩٧