دعوة الحق، س6، ع 8 - 9/ ماي-يونيه 1963 .................... ص04
نحو إنشاء جيل إسلامي جديد
للأستاذ: محمد المبارك
من الأمراض التي تفشت في البلاد الإسلامية وأعقبت نتائج سيئة في تطورها، مرض الازدواج في التفكير والعقلية ونشوء جيلين في آن واحد مختلفين أشد الاختلاف يسير كل منهما في اتجاه ويجران المجتمع الإسلامي في اتجاهين متعارضين فتتعطل القوة وتبطل الحركة.
أما الجيل الأول فهو الذي تثقف بثقافة العصر المنصرم فقرأ متونا في النحو والبلاغة والفقه والتوحيد والأصول وضعت وألفت لأبناء عصر غير هذا العصر، سواء في أمثلتها وشواهدها، أو في تبويبها وترتيبها، أو في إنشاء عبارتها وأسلوبها، ثم اقتصر على ذلك وربما زاد عليها قراءة بعض شروحها وحواشيها ولم يعرف غيرها حتى من المعارف والثقافة التي كان يعرفها المثقفون من أبناء العصور الإسلامية الأولى أيام ازدهار الحضارة الإسلامية يوم كانوا يقرأون مع الفقه والتوحيد والتفسير والحديث الحساب والجبر والهندسة والفلك والطب والكيمياء وغيرها من العلوم التي ترى عظمة الله في الكون وفضله على الإنسان بنعمة العقل الذي أتاه الله إياه، وما آتاه من السمع والبصر المؤدى إلى العلم كما أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون»، والغالب في أبناء هذا الجيل في أكثر البلاد الإسلامية الاقتصار على الفقه والتوحيد دون التوسع في دراسة السنة والاطلاع على الحديث، وما يتبع ذلك من اطلاع على منافع الفقه وأصوله ومصادره، وما تولد من ذلك من آراء فقهية مستقاة من الكتاب والسنة مما يوسع أفق التفكير، ودون الاطلاع كذلك على كتاب الله وإمعان النظر في آياته سواء أكانت في الدعوة إلى التوحيد والنظر في آيات الله في الكون والخليقة، أم كانت في الآداب والأخلاق أم كانت في بيان التشريع والأحكام، لقد اقتصرت الدراسة في العصر الماضي في أكثر البلاد الإسلامية على دراسة فقهية على مذهب واحد، مما أدى إلى اعتقاد بعض الناس انحصار الإسلام في هذا المذهب وذلك الرأي.
وأما الجيل الآخر فقد أخذ بثقافة العصر واقتبس عمله من هذه الثقافة المنقولة عن أوروبا سواء أكان أخذه لها مباشرة أو عن طريق غير مباشرة، ولا شك أن من المفيد بل من الضروري الاطلاع على ثقافة العصر ولا سيما في النواحي العلمية الخالصة التي تكشف أسرار الكون وآيات الله فيه، وتمكن الإنسان من تسخيره لمنفعته وتؤدي إلى عمارة الأرض واستخراج خيراتها والترفيه عن الإنسان، ولكن هذا الجيل يغلب عليه أن يجهل الثقافة الإسلامية الأصيلة وما تتضمنه من قيم خلقية واتجاهات إنسانية وتشريعات راقية، وما بنيت عليه من عقيدة قويمة ومفاهيم صحيحة وشعور بالمسؤولية، ولا يعرف من التاريخ الإسلامي إلا قليلا. وقد يعرفه مشوها محرفا، وقد يصل إليه عن طريق المستشرقين أو المؤلفين العربيين وأصحاب الأغراض والأهواء.
لقد سارت البلاد الإسلامية منذ أكثر من قرن على أساس تكوين هاتين العقليتين وإنشاء هذين النوعين أو الجيلين وجعلت لكل منهما طريقا لتكوينه، فالجيل الأول يتكون في مدارس قديمة في نمطها وأسلوبها، والثاني يتكون في مدارس حديثة أنشئت على غرار المدارس الأوروبية واقتبست منها برامجها ومناهجها، ثم كانت محاولات إصلاحية ولكن على أساس الإبقاء على هذا الازدواج وإدخال بعض الإصلاحات على النوع الأول، وهكذا كانت مثلا في مصر المدارس الدينية الأزهرية من ابتدائية وثانوية وعالية، ولم يكن الإصلاح فيها إلا بتقسيمها إلى سنوات