تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 .................... ص 88

أصداء الثقافة والفكر

للأستاذ: محمد برادة

موجة اللامعقول والأداب الغربي

حتم على الحركة الأدبية في أي قطر من الأقطار أن تتماس بباقي التيارات الأدبية والفكرية في الخارج .. فالكاتب الذي قال منذ أمد طويل أن «العالم أصبح ضيقا» محق إلى أبعد حد .. ذلك أن توفر الاتصالات الوثيقة بين مختلف الأمم قد ضمن «التصادي» بينها سواء في مجالات السياسة أو الاقتصاد أو الفن، ومن ثم أصبحت عملية التأثر والتأثير عنصرا أساسيا في تطوير النتاج الفني، وبلورة الحضارة الحديثة وإذا كانت أروبا من قبل تلعب دائما دور الاستاذ، وتنشر أفكارها وآدابها موقنة بتقدمها فإن التطورات الأخيرة قد عدلت الوضع، وأفسحت المجال أمام جميع الشعوب على قدم المساواة، كما لاحظ ذلك «جان دوفينيو» إذ قال:

«إن التقاء ثقافتنا بثقافات الشعوب الأجنبية، والشعوب المسماة «متخلفة» يفرض اختفاء «مراكز الثقافة» فلن تعود أثينا، وبيزنطة، وباريس، هي مراكز تكوين القيم التعبيرية، بل سيصبح ذلك ممكنا في جميع نقط التيار العالمي».

على هذا الأساس يمكن أن نعتبر «موجة أدب للا معقول» التي هبت على الأدب العربي الحديث «معقولة» لها ما يبررها ..

فمنذ بضعة شهور قدم المسرح القومي بالقاهرة مجموعة مسرحيات لكل. ن أونيسكو وبكيت، وكتبت عدة مقالات عن مسرح اللا معقول .. ثم أخرج توفيق الحكيم «يا طالع الشجرة» فجاءت نغما متناسقا مع ألحان هذه الجوقة .. وفي المقدمة التي صدر بها الحكيم مسرحيته قال: فقد اتجه هذا الفن الحديث إلى تعميق منطقة هذا الشيء الخفي، وكانت وسيلته التجرد أولا من المعنى والمنطق، فأصبح التصوير مجرد بقع لونية، والنحت بقع كتلية، والموسيقى بقع صوتية، والشعر بقع لفظية .. » (*)

وطبعا فإن هذا التصنيف التعميمي بعيدا جدا عن حقيقة نشوء هذه الاتجاهات وأصولها. وأنا متفق هنا مع الدكتور لويس عوض في أن المقدمة التي كتبها الحكيم لا تتوفر على قيمة معينة، لأنها تعرضت «في خفة وربما سذاجة لا خطر الاتجاهات» (*).

وفي رأيي أن المقالة التي كتبها الدكتور عبد الرحمن بدوي عن «كارثة اللامعقول» (*) تفتقر أيضا إلى العمق وتتصف بالعجلة والتعميم في الأحكام .. فهو يقول في مطلع مقاله:

«من العجب أن فرنسا ـ بلد العقل الواضح المتميز ـ قد صارت الآن موطن اللا معقول في المسرح على أقل تقدير. لكن هذا العجب يزول، وتظل فرنسا مخلصة حقا لروح فيلسوفها الأكبر ديكارت، اذا ما أن دعاة اللامعقول كلهم من الطارئين على فرنسا وليسوا فرنسيين حقيقيين ... »

ويمضي في مقاله معتمدا على ما كتبه لوباسكسو معتبرا إياه فيلسوف اللامعقول، وعلى مسرحيات

*) Jean Duvignattd. Pour entrer dans le XXe siècle - Grasset

*) يا طالع الشجرة ص 9.

*) الأهرام ـ عدد الجمعة. د. لويس عوض.

*) المجلة ـ مارس 1963 ـ ص 8.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٨٢