تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أونيسكو. وبدون مغالاة فإن ما كتبه عبد الرحمان بدوي مليء بالأخطاء والمغالطات، وهو ما لم نعهده من بحانة قدير مثله.

وموضوع أدب «اللامعقول» أو «الرواية الجديدة» أو «الأدب الموضوع» تيار صاعد في أروبا، له نفس الإمكانيات والآفاق التي كانت للرومانسية أو السريالبة أو الواقعية من قبل .. ومن ثمة بتحتم على نقادته الذين يريدون التعريف بهذا المذهب الجديد ودراسته أن يفعلوا ذلك في كثير من الدقة واليقظة، مدركين لمسؤولياتهم في التطعيم والتشذيب والتوجيه .. ومع التعسف مصادرة اتجاه ما بعد تشويهه .. بل يجب أن تكون أولا أمناء مخلصين في التعريف به ثم تبقى بعد ذلك حرية المناقشة والرفض أو القبول.

ومن الأفكار التي جاءت في مقال الدكتور بدوي والتي نريد أن نجعل من مناقشتها مدخلا لتلخيص بعض أسس هذه المدرسة الأدبية، قوله:

«من العجب أن فرنسا ـ بلد العقل المتميز ـ قد صارت الآن موطن اللامعقول» ..

إن إطلاق «صفة غالبة» على أمة ما لم يعد أمرا مقبولا يتناسب مع التطورات والتعقيدات الحضارية التي ارتادتها جميع الشعوب في القرن العشرين .. وفرنسا بالذات لا يجوز وصفها بالعقل الواضح لأنها كانت سباقة في حركات التجديد الفكري، تقلبت في أكثر من طقس، وارتدت أكثرت من زي .. وكان الحد الفاصل لها عن اطمئنانها «العقلي الواضح» هو انهيار المذهب «الإنساني الغربي» L'hunmanisne oeridental بعد الحرب العالمية الثانية .. ولعل جان بول سارتر كان أول من أحسن استغلال نضوج «الاستياء العام» ضد الفكر البورجوازي .. ذلك التمرد الذي مهد له جيل الدربه جيد، وفاليري، وجان غيهنو، وإضرابهم .. فأتى سارتر ليفلسف هذا الرفض، وليسجل التناقضات التي تعوق عن إدراك حقيقي للعالم استنادا على الوسائل الإيديولوجية التقليدية .. واستطاع البير كامو أن يعكس بحساسيته العبثية، سديمية المجتمع ومفارقاته، وأن يمرج التهيلية بالأمل ..

من أجل ذلك فإن حكم الدكتور بدوي بعيد عن الحقيقة، وأصح منه حكم ناقدين فرنسيين: (*)

«إن رفض الواقع هو ـ فيما يخيل إلينا الميزة الأساسية للثقافة الفرنسية المعاصرة، وطبيعي أن هذا الرفض ملتصق بحركة إيديولوجية عامة تظهر ذات دلالة قوية خصوصا في الرسم والأدب، ثم تغدو آخر الأمر طابعة لكل مجالات الثقافة»

ودون اتباع المنهج التاريخي، فإننا سنكتفي بإبراز أهم سمات أدب اللامعقول متغاضين عن تمهيدات كافكا وجويس، وفرجينيا وولف .. ولكن لابد من الإشارة إلى المحاولة الرائدة التي قامت بها ناتالي ماروت وبلا نشو وهنري توماس عند ما شعروا باستحالة استخدام «اللغة» للتعبير عن «الحقيقة» .. وبذلك أضافوا البعد الجديد «اللاروائي» Anti-romanesque وتتابعت الروايات المستلهمة من نفس النبع، فكتب الآن روب كريسه Les gommes وكلود وأوليسكو. إلا أن هذا الاتجاه الموضوعي أو اللا معقولي في الأدب. لم يفرض نفسه خلال مدة قصيرة بل استمر من الحرب الثانية إلى سنة 1954 قبل أن يلفت إليه الأنصار ويفرض نفسه على الجمهور الذي كان متعودا على روايات ومسرحيات «الإرضاء Assouvissemet ففي سنة 1954 كتب الناقد رولاند بارت مقالا طويلا بعنوان «أدب موضوعي» ضمنه أسس هذه المدرسة الأدبية، وأبان عن آفاقها ومطامحها .. وبعد ذلك تتابعت الدراسات، واهتمت الأوساط الأدبية برواد الرواية الجديدة فخصصت لهم مجلة Esprit عدد يوليو 1958، وناقشت معظم المجلات هذا الاتجاه على نطاق واسع ..

واعتمادا على هذه الدراسات سنحاول فيما يلي تلخيص أهم أسس مدرسة «الرواية الجديدة» أو اللامعقول، متوخين الاختصار بقدر ما يسمح المجال:

العنصر الأول عند مدرسة الرواية الجديدة هو التمرد على «المواضعات» الشكلية والمضمونية لحصيلة التجربة الروائية والمسرحية .. فالعالم لم يعد كما كان بعد ما لفته موجات التغير والتخلخل في كل المجالات، ومن ثم فإن التكنيك البلزاكي مثلا أصبح عاجزا عن رسم صورة مطابقة للتعقيدات الحياتية الطارئة .. ذلك أن التحليل النفساني البلزاكي يعطي شخصية «ثانية» بينما لم يعد بالإمكان العثور على صورة مزيفة للأشخاص، لأنه يحرص على نسج خيوط

* Partisans - Février 1962 - Le nouveau roman et le refus du réel - Claude Burdelin. Georges Pérel

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٨٣