ويكون هو خصمها، ومن الممكن كذلك أن يصوب رجال ديوي مدافعهم نحو السفن الحربية الألمانية)). إذن فقد أحبطت الولايات المتحدة مشاريع ألمانيا وقبلها برطانيا العظمى، وأظهرت بكل ما أوتيت من قوة إرادتها في معارضة كل عمل جماعي قد تقوم به دول أوروبية في المنطقة التي تغطي الأماكن المجاورة للقناة الواصلة بين المحيطين.
وفي آسيا الشرقية أي في منشوريا وكوريا نجد أن روسيا اصطدمت بمقاومة اليابان. فأثناء حرب البوكسير (1) استطاعت روسيا سنة 1900 أن تحصل على ضمانات وأن توطد دعائم هيمنتها بحيث استمرت في إنشاء السكك الحديدية وأقامت قاعدة بحرية في بور أرثر. ثم أن جيوشها التي ساهمت بها في الحملة العسكرية الدولية احتلت ((موقنا)) المقاطعات الثلاث المنشورية. وحاولت حكومة القيصر عبثا أن تحصل من الحكومة الصينية على اتفاق يسبغ على الاحتلال صفة الدوام.
وبعد أن أخفقت روسيا في مسعاها، أبرمت مع الصين، أبريل 1902، ما يسميه الكونت ويت wittr بمعاهدة الجلاء التدريجي. ويرجع هذا التراجع بالأخص إلى نشاط رجل أعمال اسمه بيزوبرازوف Bezobrazof كان هذا يملك في الأرض الكورية امتياز استغلال الغاية في رقعة شاسعة الأطراف تقع على الضفة اليسرى من نهر يالو Yalon ولما كلفه العاهل الروسي نفسه بمهمة القيام بدراسات في الشرق الأقصى، قام بربط صلات مع قائد القوات الروسية في بور أرثر، الأميرال اليكساييف Alexeïef، ثم عمل بعد أشهر من الصراع المكشوف على إحباط سياسة ويت. Witte
وقد خشيت اليابان من أن تصبح هيمنتها في كوريا مهددة من جراء هذا التوسع الروسي، وفكرت بكل جد في إمكانية التوسع بمنشوريا الجنوبية حيث الأراضي القابلة للزراعة، الصالحة لإيواء مهاجريها، وحيث المواد الغذائية الكفيلة بتغطية العجز الحاصل في إنتاجها الأهلي، وحيث الحديد والفحم اللازمان لصناعتها، ولكي ترغم روسيا على تقسيم منشوريا على الجلاء من «رأس الجسر» الكوري، لم تتردد في القيام بالحرب. وكانت ورقتها الرابحة هي ذلك التفوق الذي سيمتاز به الجيش الياباني في مسرح العمليات إذ سيكون قريبا جدا في قواعده، في حين أن الجيوش الروسية، إذا أرادت أن تنقل قواتها وعتادها، سوف لا تجد سوى الخط الحديدي العابر لسيبيريا، وطول هذه الخط 7000 كم، إلا أنه مفصول ببحيرة بايكال Baïkal بيد أن هذا التفوق البري سوف لا يكون ذا فائدة إلا إذا كان معززا بالسيطرة البحرية على مضيق كوريا. فهل هذه السيطرة متوفرة؟ وبالأحرى هل سيكون في استطاعة الأسطول الياباني أن يحافظ عليها إذا ما دخل الحلف الفرنسي الروسي في حيز التطبيق؟ (1) وتلافيا لهذا الاحتمال طلبت الحكومة اليابانية أن تتحالف مع بريطانيا العظمى وهذا ما حصلت عليه في يناير 1902: إن الحكومة الإنكليزية لم تعط وعدها بتقديم العون المسلح في حالة محاربة روسيا وحدها بل تعهدت أمام الملأ بالتدخل إذا أتت ((دولة أخرى)) وتعني بذلك فرنسا، وساندت روسيا.
وبعد ثمانية أشهر من المفاوضات العقيمة مع روسيا بدأت اليابان في 8 فبراير 1904 أعمالها العدائية بضربة مفاجئة ـ هجمت على الأسطول الروسي في ميناء بور أرئر كان من شأنها أن أمنت لها السيطرة على البحر لعدة أشهر.
وبالنسبة للعمليات العسكرية في البر المنشوري حصل الجيش الياباني على نتائج إيجابية في الحين، لأن هذا الجيش كان متفوقا من الناحية العددية طيلة الأشهر الستة الأولى من القتال. ولم تتعادل قوات الطرفين إلا في أكتوبر 1904. ومع ذلك فقد نجح اليابانيون بعد حطموا هجوما روسيا مضادا في أبعاد الخصم من المواقع التي كان يحتلها وكانت معركة موكدن Moukden هي الحاسمة (دامت من 23 فبراير إلى 11 مارس 1905).
(1) اسم شهير لجمعية سرية صينية تأسست سنة 1899 تحت شعار ((معاداة كل من هو أجنبي)) ولما استفحل أمرها أخذت الحكومة المركزية الصينية تتعاون معها لصد كل محاولة احتلال أجنبي. ولئن أصبح الأجانب في سنة 1900 سادة الموقف بواسطة إرسال حملة عسكرية دولية إلا أن ظهور جمعيات من هذا القبيل كان له أثره في عدول الدول العظمى عن فتح الصين. (المترجم)
(1) أي هل تستطيع البوارج اليابانية أن تقف في وجه البواخر الحربية الفرنسية أن وفت فرنسا بتعهداتها إزاء روسيا؟ (المترجم)