وعبثا حاولت القيادة الروسية رأب ما تصدع: أما البارجة التي أتت من أوروبا بعد أن قطعت مسافة طويلة ومملة، وكلفت بقطع خطوط المواصلات الحربية للجيش الياباني فإنها سحقت من قبل الأسطول الياباني في 27 مايو 1905 داخل مضيق كوريا بمكان يدعى توشيما.
لا شك أن منشوريا ظلت بعيدة من الغزو الكلي وأن الجيش الروسي ظل يمدد مقاومته، إلا أن حكومة القيصر كانت مشتبكة في هذه الآونة مع الحركة الثورية التي نشبت في روسيا، مما جعل الحكومة تنشد السلام في الشرق الأقصى.
وكان عرض الوساطة الذي تقدم به رئيس الولايات المتحدة وقد أوجس خيفة من الانتصارات اليابانية وأراد أن يضع حدا لها، كان هذا العرض في صالح روسيا. وقد أذعنت الحكومة اليابانية وقبلت الدخول في المفاوضات لأنها كانت على بصيرة من الصعوبات الاقتصادية والمالية التي قد تترتب عن الاستمرار في القتال، وأكنفت بجني ثمار جزئية. وهكذا خولت معاهدة بورتسموث Portsmouth (29 غشت 1905) لليابان ميناء بور آرثر مع السكة الحديدية الواقعة في الجنوب المنشوري. يضاف إلى ذلك الجزء الجنوبي من جزيرة ساخلين Sakhalin، ثم سمحت لها هذه المعاهدة ببسط حمايتها على كوريا. وهكذا تحمل التوسع الروسي ((ضربة توقف)) حاسمة.
أنه أول نصر يحققه الصفر على البيض منذ التوسع الأوروبي. وهو الانتصار الذي يساعد اليابان على التمركز في القارة الأسيوية، وهو الذي غير معطيات السياسة الدولية في الشرق الأقصى، وهو الذي شجع قيام الحركة الوطنية سنة 1905 بالهند ضد السيطرة الإنكليزية وفي الهند الصينية سنة 1908 ضد الاستعمار الفرنسي. وأخيرا فإن الفوضى أصبحت تسود الجيش الروسي إذ أضحى مدة من الزمان غير قادر على أن يلعب دورا بارزا في نزاع أوروبي.
تلكم كانت النتائج المباشرة، أما النتائج البعيدة فهي التي عبر عنها بول كامبون Paul Cambon بقوله: «لم يكن اليابانيون يشكون مطلقا في أنهم سيحصلون على رقعة في الأرض الكورية، إنما كانوا يتأرجحون بين السير وراء روسيا وأمريكا، وبعد خمسين سنة سيصبحون موضع رهان في الصراع العظيم الذي سيدور بين الروسيين والأمريكيين في الشرق الأقصى. إلا أن كل ذلك إنما هو من أجل المستقبل)).
والمهم أن عدة خلافات كان لبعضها شأن عظيم، لم تؤد في نهاية المطاف إلى نشوب نزاع مسلح بين الدول الأوروبية، أليس في هذا دليل على أن الحكومات والشعوب المعنية بالأمر كانت تتردد في السعي وراء شرور ((استعمال القوة))؟
ثانيا: الاتفاقات الجديدة بين الدول الأوروبية.
في الوقت الذي تطورت فيه هذه الخلافات أي في الفترة المتراوحة من 1901 إلى 1907، في هذا الوقت تميزت التعهدات الديبلوماسية والعسكرية التي أرمتها الدول الأوروبية فيما بينها بطابع جديد. فإيطاليا عندما أمضت مع فرنسا اتفاقا سياسيا سريا في العاشر من يوليوز 1902، كانت قد تعهدت بأن تلتزم جانب الحياد في حالة حدوث حرب فرنسية ألمانية، بل وحتى إذا اتخذت فرنسا ((على إثر استفزاز مباشر)) مبادرة إعلان الحرب، إلا أن الحكومة الإيطالية هي التي ستظل محتفظة بتأويل ((حالة الاستفزاز المباشر)). ثم أن الاتفاقات الإنكليزية الفرنسية التي أبرمت في الأساس، من أجل ((تبادل مصر بالمغرب الأقصى)) (8 أبريل 1904) قد ذللت جميع الخلافات الاستعمارية بين البلدين، فقد نصت على أن بريطانيا العظمى ستقدم سندها إلى فرنسا في القضية المغربية ولكن بواسطة العمل الديبلوماسي لا غير. وأخير فإن روسيا في غشت 1907 وفي نفس الوقت الذي عقدت فيه مع بريطانيا العظمى الاتفاق الخاص بفارس، قامت وسوت الخلافات المتعلقة بأفغانستان والتيبت. بينما تضعضع الحلف الثلاثي (1) تقوي جانب الحلف الفرنسي ـ الروسي الذي تعرض لاهتزازة بسبب الأزمة الثورية الروسية التي حدثت سنة 1905 وكذا من جراء الهزيمة في منشزريا، قلت: تقوي جانب الحلف الفرنسي ـ الروسي ((بالاتفاق الودي)) الفرنسي ـ الإنكليزي، ثم بالتقارب الإنكليزي ـ الروسي.
تلكم هي الخطوط العريضة لهذه اللوحة المعروفة. والأهم هو دراسة الدوافع التي حملت الحكومات على اتخاذ القرارات.
ترجمة عبد الحق بنيس
(يتبع)
(1) يضم ألمانيا والنمسا ـ هونغاريا وإيطاليا. (المترجم)