تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيروت إلى أروبا فأميركا للاتحاق بجامعاتها الكبرى من أجل التخصص، أو من أجل استكمال دروسهم العالية.

وقد رافق كل ذلك عامل آخر كان له أثر بالغ في النهضة والتجدد، واعي به الاختلاط الشديد بين اللبنانيين عامة. والبيروتيين خاصة، وبين أصحاب التمدن الحديث. فكما حفلت بيروت بالعلماء والأدباء الذين جاءوا إليها للتعليم ولإدارة المعاهد العلمية الأجنبية، فضلا عن الإرساليات فقد امتلأت أيضا برجال الأعمال الاقتصادية الأجانب وفي عدادهم أصحاب المهن والفنون.

ومن جهة ثانية فإن تجار بيروت، وأصحاب المصانع وطلاب المدارس العلمية وغيرهم كانوا يؤمون بلاد الغرب دون انقطاع فيتأترون بها سواء أرادوا أو لم يريدوا، ذلك لأن في جو كل جماعة من الناس ذرات من أرواحهم تتهادى فوقه فتجعل ذلك الجو متفقا مع مستواهم الاجتماعي. وما أشد ما يتأثر المقيم بين طبقات الناس من روحهم وأخلاقهم صالحة كانت أم فاسدة.

فهذا الاختلاط الدائم بين الغرب واللبنانيين كان من حسناته تسرب روح النهضة الحديثة إليهم، ومدارها الاعتماد على النفس والتوثب للعمل المجدي فكان ذلك مما أدى إلى ارتفاع المستوى الاجتماعي في لبنان.

هذه العوامل منفردة ومتحدة هي مصدر النهضة الفكرية والاجتماعية بلبنان، ثم ما أن ازدادت في عهد الاستقلال بالسياسة الحرة الحكيمة حتى نعم هذا البلد الصغير باسم كبير وحتى أصبحت صحف العالم تتحدث عنه، وإذا تحدثت فلا تقتصر على وصف محاسنه الطبيعية فقط وإنما تتناول عمرانه وازدهاره ونشاط أهله وثقافتهم. ولا شك أن ذلك يسر سائر البلاد الشقيقة لأن لبنان بلد عربي، وإذا أثنى عليه أحد فإنما يعود الثناء إلى العالم العربي قاطبة.

بيروت: محمد جميل بيهم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٥٥